كتّاب المحبّة

الثالوث الأقدس… "نبع السلام من عنايا للعالم"

الثالوث الأقدس… "نبع السلام من عنايا للعالم"

في أحد الثالوث الأقدس، نتأمل في الله الذي هو شركة محبة أزلية بين الآب والابن والروح القدس. ومن هذا السرّ الإلهي تنبع دعوة الإنسان إلى العيش في الوحدة والمصالحة والسلام. لذلك تكتسب الصلاة من أجل السلام في عالمنا اليوم معنى عميقًا، ولا سيما في لبنان والشرق الأوسط حيث أثقلت الحروب والأزمات كاهل الشعوب وأرهقت العائلات ودفعت الكثيرين إلى الهجرة والبحث عن الأمان.

إن المشهد الذي يجمع المؤمنين في عنايا حول ضريح القديس شربل للصلاة مع البابا من أجل السلام، ليس مجرد مبادرة روحية عابرة، بل هو شهادة حيّة بأن الشعوب، مهما أنهكتها الصراعات، ما زالت تؤمن بقوة الصلاة وبإمكانية تغيير التاريخ بنعمة الله. فحين تعجز السياسة عن إيجاد الحلول السريعة، تبقى الصلاة فعل رجاء يذكّر العالم بأن الإنسان خُلق للحياة لا للموت، وللشركة لا للانقسام.

لقد اختبر لبنان في العقود الأخيرة ويلات الحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية والانفجارات والتهجير، ومع ذلك بقيت الكنائس والأديار أماكن تجمع الناس حول الرجاء. ومن قلب دير مار شربل، الذي يقصده المسيحيون والمسلمون معًا، ترتفع صلاة تتجاوز الحدود والطوائف لتعلن أن السلام حاجة إنسانية مشتركة وعطية إلهية يشتاق إليها الجميع.

إن القديس شربل، الذي عاش حياة صلاة وصمت وتجرّد، يذكّرنا بأن السلام الحقيقي يبدأ أولًا في قلب الإنسان. فمن دون مصالحة داخلية، ومن دون انفتاح على الله وعلى الآخر، تبقى كل مبادرات السلام ناقصة. لذلك تدعونا الكنيسة في هذا الأحد إلى أن نصبح صانعي سلام في عائلاتنا ورعايانا ومجتمعاتنا، حاملين نور الثالوث الأقدس إلى عالم تزداد فيه الانقسامات.

فلنصلِّ إذًا من أجل لبنان، ومن أجل جميع البلدان التي تمزقها الحروب، لكي يهب الله للقادة حكمة الحوار، وللشعوب نعمة المصالحة، وللمتألمين عزاء الرجاء، حتى يتحقق ما تتوق إليه البشرية جمعاء: سلام عادل وثابت، يثمر حياة وكرامة وأخوّة بين جميع الناس.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم