كتّاب المحبّة
على درب القداسة... "حين يعجز الطب عن تفسير الشفاءات"!
القداسة هي تجلّي حضور الله في حياة أشخاص عاديين، والشفاءات التي تحصل بطريقة عجائبية هي علامات ترافق مسيرة هؤلاء لتؤكّد أن الله يعمل في شعبه بطرق تتجاوز عقلنا البشري.
عندما تعلن الكنيسة الجامعة عن قديس جديد، فهي لا تبني الأمور على العاطفة وحدها، إنّما على تمييز روحي وعلمي دقيق.
*أعجوبة جديدة: شفاء الضابط نايف أبو عاصي
وقد سمعنا وشهدنا على عدد كبير من الأعاجيب المسجلّة والموثقة ولا يغيب عن مسامعنا ومعرفتنا في الآونة الأخيرة الأعجوبة التي ستؤدي إلى تطويب البطريرك الحويّك والتي تعود لعام 1965، وتتمثل بشفاء الضابط في الجيش نايف أبو عاصي، وهو مسلم من طائفة الموحدين الدروز، من مرض "انحلال الفقار الثنائي" المزمن، بعدما استيقظ معافى تمامًا إثر رؤيته البطريرك الحويّك في المنام.
وحين يقف الطب عاجزًا أمام شفاءٍ غير متوقَّع، بعد طريق محفوف بالألم واليأس والإستسلام، تتفتح العيون على سرٍّ أعمق، سرّ من أسرار الإله، ورجاء صالح لبني البشر: "أن يد الله ما زالت تعمل في التاريخ، وأن القداسة ليست ذكرى ماضية بل واقع حيّ."
ترافق مسيرة القداسة، شهادات عديدة عن شفاءات فاقت التوقعات والعقل البشريّ وأثارت دهشة بين المؤمنين والأطباء على حدّ سواء.
* التوازن بين الإيمان والطب
وبينما يواصل الطب تقدّمه في فهم الأمراض وعلاجها، تبقى بعض حالات الشفاء الاستثنائية عصيّة على التفسير العلميّ الكامل، وتستدعي تحقيقات دقيقة تجمع بين الخبرة الطبية والتمييز الكنسي.
وفي مسيرة تطويب المكرّمين وإعلان القديسين، لا تكتفي الكنيسة بالروايات أو الانطباعات، بل تخضع كل حالة شفاء لدراسة معمقة للتأكد من حقيقتها ومن غياب أي تفسير علمي مقنع لها.
عندما يبلغ التحقيق الطبي في حالة مرضيّة نتيجة مفادها أن الشفاء غير قابل للتفسير علميًا في ضوء المعارف الحالية والتقدّم الطبّي، يأتي دور الكنيسة لتضع يدها وتلمس الجرح وتعلن عمق الإيمان المسيحيّ، فتهتف الألسن: “المجد لله في العلى”.
كيف تستطيع الكنيسة التمييز بين شفاء استثنائي يمكن تفسيره طبيًا، وشفاء يبقى خارج قدرة العلم على التفسير؟
وكيف تنظر إلى هذه الشفاءات؟ وما الذي يجعلها علامةً ذات دلالة روحية في مسيرة القداسة؟
*لقاء مع الدكتور صوما واكيم
في هذا التقرير الخاص الذي أجراه موقع صوت المحبة، نسلّط الضوء على الشفاءات المنسوبة إلى شفاعة المكرّمين على درب التطويب، أو القداسة وعلى الحوار الفريد بين الإيمان والعلم في البحث عن الحقيقة.
فكان لنا لقاء خاص مع الأخصائي في طب العائلة الدكتور صوما الياس واكيم
وهو خرّيج كلية الطب في الجامعة اليسوعية والطبيب المسؤول عن التحقيقات الطبيّة في دعاوى القديسين في المحكمة المارونية.
كان للدكتور صوما نعمة المشاركة في التحقيق الطبّي للشفاءات الحاصلة بشفاعة كل من القديسة رفقا، القديس نعمة الله الحرديني، الطوباوي الأخ اسطفان نعمة، وفي الماضي القريب الطوباوي البطريرك العلامة اسطفان الدويهي. كما هو الآن في صدد التحقيق في ملف تقديس الأخ اسطفان نعمة
فيا لها من نعمة لكل طبيب أو رجل علم، أسقف أو كاهن أن يحصل عليها: "المشاركة في اعلان مكرّم أو طوباوي أو قديس، عزيز لدى الله".
*المعايير الطبية المعتمدة
سألنا الدكتور واكيم عن المعايير التي تعتمدها الكنيسة للتمييز بين الشفاء العجائبي والشفاء الذي يمكن تفسيره طبيًا؟
ليؤكّد لنا ويشدّد على أنه ليس هناك تعبير أو حالة تسمّى: "شفاءً عجائبيًا" إنّما التعبير الصحيح هو "شفاء غير مفسّرعلميًا وطبيًا" لمرض عضال في مراحل متقدمة أي منتشر في كل الجسم أو شلل مستدام أو عمى أو أي مرض أو إعاقات لا شفاء منها بالرغم من العلاجات الطبية والجراحية الحديثة.
وفي بعض الأحيان قد يحدث هذا الشفاء في ذكرى التطويب أو عند لمس أو أخذ ذخيرة من الدرجة الأولى والثانية أو الثالثة أو بصلوات التساعيات والتضرّعات ألخ...
ويؤكّد أيضًا على أن هذا الشفاء يجدر به أن يكون تامًا وبطريقة فجائية، آنيّة، ومستدامة – دون انتكاسة – ودون أي علاجات أو تدخلات طبية بعد الشفاء، مع التأكد أن المريض لا يشكو من أي مرض آخر نفسيّ أو عقليّ.
Guérison subite, instantanée, maintenue, sans rechute et sans aucun traitement, avec une santé psychique et mentale parfaite sans aucun signe d’atteinte
أما الشفاء الحاصل في حينه والذي يمكن تفسيره طبيًا يكون إنما ناتج عن عمل طبّيّ أو جراحيّ أو الإثنين معًا، هو الذي أوصل المريض إلى الشفاء، هذا عدا عن شفاءٍ مفسّر لمرض نفسي يؤثّر على الصحة الجسدية maladies: psychosomatiques.
كل هذه التفسيرات والمعايير تعتمدها الكنيسة، لتميّز حقيقةً بين أنواع الشفاءات، فتكون وفيّة "لقدرة العليّ" وتمجّد الله فعلًا في قديسيه...
وعن سؤالنا عن النقاط الرئيسة التي تجعل شفاءً ما مؤهّلًا ليُدرَس، بعد كشف الأطباء، في ملف التطويب أو التقديس؟
أخبرنا الدكتور أن أي حالة مرضية أو عاهة أو إعاقة خُلُقية لا علاج لها طبيًا أو جراحيًا شفيت بطرقٍ غير متوقّعة والأهم دون إنتكاسة – ودون أي علاجات بعد الشفاء ألجسدي، وتكون مرتبطة بمسيرة إنسان فاضل سائر على درب القداسة توازيًا مع سلامة الصحة النفسية - العقلية للمريض، وبعد استجواب جميع الأطباء الذين نصحوا أوعالجوا أو أشرفوا على علاج هذا المريض، تجعل هذا الشفاء مؤهلًا للدراسة.
* شهادات وشفاءات مرفوضة
وفي سياق حديثنا معه تساءلنا عن ما إذا كان هناك من حالات شفاء رُفضت بعد التحقيق لأنها وجدت تفسيرًا طبيًا؟
ليُجيب الدكتور واكيم بالتأكيد ثمة حالات شفاء رُفضت ولم تُعتمد كسبب لإعلان التطويب أو القداسة، خصوصًا بعد التحقيق بها لأنها لم تتوفّر فيها الشروط الكاملة المذكورة أو أن المريض كان يعاني من حالة نفسية - عقلية - جسدية somatique psycho وشفي بعد العلاج النفسي، أو أن المريض الذي زعم أنه شفي بطريقة عجائبية قد تابع بعدها علاجًا طبيًا أو جراحيًا أو كيميائيًا.
* القداسة رجاء حيّ يضيء ظلمة هذا العالم
في ختام هذا التقرير، تكشف لنا مسيرة القداسة أن الشفاءات ليست مجرد أحداث استثنائية، بل علامات حيّة على حضور الله في التاريخ، ودعوة إلى الثقة بعمله الذي يتجاوز حدود العقل البشري.
وأن الكنيسة، بتمييزها الدقيق بين العلم والإيمان، تؤكد أن القداسة ليست ذكرى ماضية بل واقع يتجدد يوميًا ب"رجاء لا يُخيّّب" في حياة المؤمنين.
وكما قال القديس يوحنا الذهبي الفم بأن المرض ليس دائمًا لعنة، بل قد يكون طريقًا إلى القداسة ، تؤكّد الكنيسة مرة جديدة، بحرصها وأمانتها أن كل شفاء غير مفسَّر علميًا شهادةً على أن الله ما زال يعمل في شعبه، وأن القديسين هم شهود أحياء لعمله وصنع يديه.
وفي ضوء هذا السر العظيم، تتردد في قلوبنا كلمات الإنجيل: "هات يديك وضعهما في جرحي وكن مؤمنًا وليس غير مؤمن"، فنمضي كمؤمنين على درب القداسة، حاملين رجاءً جديدًا ونورًا يضيء ظلمة هذا العالم.
لينا هاشم عرب
تلفزيون وإذاعة صوت المحبة