كتّاب المحبّة

على خُطى الحويّك: "حين وسَّع الله قلب شابٍّ من حلتا"

على خُطى الحويّك: "حين وسَّع الله قلب شابٍّ من حلتا"

ليست المدن سواء. فهناك مدنٌ تُدهشك بعمرانها. وأخرى تُبهرك بتاريخها. لكن قلّةً منها تغيّر الإنسان.

كانت روما، بالنسبة إلى الشاب الياس الحويك، أكثر من مدينة. كانت مدرسةً للقلب. خرج من حلتا يحمل في وجدانه رائحة تراب لبنان، وصلوات أبيه الكاهن، ودموع أمّه، وأجراس الكنائس المعلّقة على سفوح الجبال.

وحين وطئت قدماه المدينة الخالدة، لم ينسَ الجبل. بل حمله معه. وهذا هو سرّ الرجال الكبار. إنهم لا ينسون جذورهم عندما تكبر أغصانهم.

في مدرسة البروباغندا لم يكن الحويك يكتفي بحفظ النصوص اللاهوتية، ولا بإتقان اللغات القديمة، ولا بمطالعة آباء الكنيسة. كان يتعلّم أمرًا أعمق بكثير. كان يكتشف أن الكنيسة أوسع من حدود الوطن. وأن الإيمان يستطيع أن يتكلم بكل اللغات، من غير أن يفقد لغته الأم.

هناك، بين أروقة روما، كان يلتقي طلابًا جاءوا من قاراتٍ لم يكن يعرف أسماء بعضها. واكتشف أنّ المسيح الذي أحبّه في قرية صغيرة من جبل لبنان، هو المسيح نفسه الذي يجمع شعوب الأرض كلّها حول مائدة واحدة. لم يعد لبنان، في نظره، جزيرةً معزولة. بل صار رسالة.

ولهذا، حين عاد إلى وطنه، لم يعد يحمل شهادةً علمية فحسب. عاد يحمل رؤية. الرؤية هي الفرق بين العالِم والمعلّم. العالم يجيب عن الأسئلة. أما المعلّم، فيرى ما لا يراه الآخرون.

وحين أرسله البطريرك يوحنا الحاج، بعد سنوات، لإعادة افتتاح المدرسة المارونية في روما، لم يكن يكلّفه بمهمة إدارية. كان يسلّمه حلمًا. تلك المدرسة التي أنشأها البابا غريغوريوس الثالث عشر سنة 1584، وأنجبت بطاركة وأساقفة وعلماء، أقفلت أبوابها بعد اضطرابات أوروبا.

خمسة وتسعون عامًا بقيت جدرانها صامتة. وكأنها تنتظر أحد أبنائها ليعيد إليها النبض. فكان الحويك. لم يتعامل مع المدرسة كحجارة. بل كأمّ. وكان يعرف أن الأم إذا أُغلقت أبوابها، تيتم الأبناء. لذلك بذل كل ما استطاع، حتى عادت المدرسة إلى الحياة سنة 1893، بمباركة البابا لاون الثالث عشر، الذي رأى فيه رجلًا "متيقظًا لشغله، يستحضر كل المقتضيات".

لم يكن هذا الإنجاز مجرد حدث تربوي. كان إعلانًا بأن الكنيسة التي تنسى مدارسها، تبدأ بنسيان مستقبلها. واليوم، بعد أكثر من قرن، ما زال السؤال نفسه يطرق أبوابنا. كم نبني من الأبنية... وقليلًا ما نبني الإنسان. كم نفرح عندما نفتتح مؤسسة... وقليلًا ما نسأل: من سيحمل روحها بعد خمسين سنة؟

لقد أدرك الحويك، وهو في مقتبل العمر، أن الحجر لا يصنع الحضارة. الإنسان هو الذي يصنعها. ولهذا أعاد فتح مدرسة، قبل أن يبني وطنًا. ولعلّ هذا هو الدرس الذي يحتاجه لبنان اليوم.

فالنهضة لا تبدأ في قصور السياسة. بل تبدأ في الصفوف الدراسية. ولا تبدأ بالخطب. بل بالمعلّم. ولا تبدأ بتغيير الأنظمة. بل بتكوين الإنسان.

كان الياس الحويك يومها شابًا آتيًا من قرية صغيرة. لكن الله كان، بصمت، يوسّع قلبه. لأن القلب الذي سيحمل وطنًا... كان عليه أولًا أن يتّسع للعالم.


الخوري ميخائيل قنبر

دراسات عليا في العلوم الدينية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم