كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: "الرجل الذي رفض أن يركع"
لا يُقاس الرجال بطول قامتهم. بل بالمسافة التي تفصل بين جباههم والأرض. فهناك من ينحني لأن الريح اشتدت. وهناك من يبقى واقفًا، حتى لو تكاثفت العواصف.
كان الياس الحويّك من الصنف الثاني. لم يكن عنيدًا بطبعه. بل كان مؤمنًا بأن الحق لا يغيّر وجهه كلما تبدّل الحاكم. ولعلّ هذه كانت أعظم الفضائل التي ميّزت شخصيته. لقد تعاقبت على لبنان دول، وولاة، وقناصل، وجيوش، وسلطات. وكان يمكن لرجل في موقعه أن يختار الطريق الأسهل. أن يُجامل الجميع. أن يقول لكل فريق ما يحب أن يسمعه. أن يحافظ على كرسيه بصمتٍ مريح. لكنه لم يفعل.
كان يعرف أن الراعي إذا خاف، ضاع القطيع. وإذا باع صوته، ضاعت الحقيقة. ولذلك لم تكن مواقفه تُشترى. ولا كانت تُؤجَّل. كان يتكلم عندما يرى أن الكرامة في خطر. ويصمت عندما يكون الصمت حكمة. ذلك هو الفرق بين الصمت والسكوت.
السكوت خوف. أما الصمت، فقد يكون صلاة. كان يعرف متى يرفع صوته. ويعرف أيضًا متى يرفع قلبه. ولذلك وثق الناس به. فالناس لا يبحثون دائمًا عن الرجل الذي يوافقهم. بل عن الرجل الذي يثقون بأنه لا يخون ضميره.
لم يكن الحويّك يصنع خصومًا. لكنه لم يكن يسمح أيضًا بأن يصنع أحدٌ له ضميرًا غير ضميره. وهذه فضيلة نادرة. فالحرية، في نظره، لم تكن شعارًا سياسيًا. كانت حالةً روحية. الإنسان الحرّ هو الذي لا يستطيع أحد أن يشتري ضميره. ولا أن يرعبه. ولا أن يجعله يقول غير ما يؤمن به. لهذا، حين جاءت الساعة التي سيقف فيها أمام العالم كلّه، لم يكن بحاجة إلى أن يتعلّم الشجاعة. كان قد عاشها سنوات طويلة. فالرجال لا يصبحون شجعانًا في اللحظة الحاسمة. اللحظة الحاسمة تكشف فقط مقدار الشجاعة التي عاشوها قبلها.
من هنا نفهم لماذا بقي اسم الحويّك حاضرًا في ذاكرة اللبنانيين. ليس لأنه انتصر دائمًا. بل لأنه لم يتخلَّ يومًا عن الحقيقة كما رآها في ضوء إيمانه وخدمته لشعبه. ونحن، أبناء هذا الزمن، قد نختلف في قراءة بعض الخيارات السياسية أو في تقييم بعض الوقائع التاريخية، وهذا أمر طبيعي في دراسة التاريخ. لكن يبقى الدرس الذي لا يختلف عليه اثنان: أن الإنسان الذي يبني حياته على الضمير، يستطيع أن يواجه التاريخ بوجهٍ مكشوف. أما الذي يبنيها على المصالح، فيبقى أسير تبدّلها.
ولعلّ الحويّك لم يترك لنا درسًا أعظم من هذا: أن الحرية لا تبدأ عندما تتحرر الأوطان. بل عندما يتحرر الضمير.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية