كتّاب المحبّة
في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "الحذاء الذهبي"
حدث مرّة في قديم الزمان، أن أرملةً كان لديها ثلاثة أولاد، تُعيلهم من حياكة الصوف طوال النهار. وفي صباح عيد "سيدّة الوردية المقدّسة"، حملت هذه الأمُّ ما حبكته يداها طوال إسبوع، وذهبت لتبيعه راجيًة أن توّفق وتعود بما يكفي ليسدّ حاجات عائلتها. لكن، على عكس ما ترَجّت، لم تستطع هذه المرّة أن تبيعَ شيئاً ولو بفلسٍ واحد. فالجميع كان لديهم عذراً لئلا يشتروا منها ويوفّوها حقّ تعبها.
وقبل أن تعود إلى منزلها، فكّرت هذه الأمّ طويلاً في نفسها، وقرّرت بإيمانٍ واثقٍ، أن تقوم بزيارة الكنيسة لتصلّي شاكيةً باكيةً أمرها أمام تمثال العذراء "مريم سيدّة الوردية". وهكذا فعلت ووقفت مناجيةً العذراء قائلة: "يا أم الله القديسة، أنت الأم الحقيقية، هل تقول لي ماذا يجب علّي أن أعطي اليوم لأولادي الفقراء ليأكلوا ؟ ليس لدّي شيء لأطعمهم لا عجين ولا خبز ولا حتى لأشعل النار لهم. أيتها الأم، ساعديني أنت، لأني يائسة وبائسة. أرجوك ساعديني أنت !".
ورقّت العذراء مريم لهذه المرأة وأشفقت عليه، فمدّت رجلها ورمت بفردة من حذائها الذهبي لها. ومن فرحها الكبير، أخذت المرأة الحذاء الذهبي، واسرعت إلى السوق راجية أن تبيعه لبائع الجواهر وتعود إلى بيتها بما يكفي لطرد شبح الجوع عن أولادها. لكن هذا الأخير، ما أن رأى الحذاء الذهبي، حتى تعرّف عليه وأدرك أنه حذاء العذراء الخاص بتمثالها في كنيسة المحلّة. فغافل المرأة، ونادى الشرطة، فأتوا مسرعين وقبضوا عليها وألقوها في السجن.
وقبل محاكمتها، طلبت منهم أن تصلّي للمرّة الأخيرة أمام تمثال العذراء، سيدّة الوردية المقدّسة. فأذنوا لها أن تفعل ذلك. وما أن وصلت الأرملة أمام تمثال العذراء، حتى ارتمت ساجدةً على قدميها وصرخت بكل جوارحها قائلةً: " "يا أم الله القديسة"، أصحيحُ أنني أنا من سرق حذاءك الذهبي، أم أنك أنت من أعطاني إياه؟". وانحنت خاشعة صامتة، وسكت الجميع حولها وهم ينظرون إلى تمثال العذراء. وما هي لحظات، حتى بدأ التمثال يتمايل، وأخذ وجه العذراء الحجريّ يتلّون بلون اللحم الحيّ، ورفعت العذراء رجلها الثانية، ورمت بحذائها إلى الأرملة. وبدأ الناس يصرخون : "أعجوبة، أعجوبة". فكان بينهم من يبكي، وغيرهم من يهللّ فرحاً. وعادت المرأة حرّة إلى أولادها، ومعها حذاء مريم الذهبي.
العبرة: في حاجتنا، إن صرخنا إلى مريم طالبين شفاعتها، فلن تبخل علينا، من تتابع رسالة ابنها على الأرض، بلفتة تستمطر بها علينا نعمة وحنان ورأفة الله. وإن صرخ أحد إخوتنا المحتاجين إلينا، فهلّا يجد ما يكفي لدينا من الحبّ لنتجرّد عمّا هو ضروري لنا ونقاسمه إياه؟.
كلمة الله: فأجاب الملاك مريم: "الرُّوحُ القدُسُ يَحِلُّ عليكِ، وقُدرةُ العليِّ تُظَلّلُكِ، لذلكَ فالقدُّوسُ الذي يولَدُ مِنكِ يُدعى ابنَ اللهِ. ها قَريبَتُكِ أليصاباتُ حُبلى بابنِ في شيخوخَتِها، وهذا هو شَهرُها السّادسُ، وهيَ الت دَعاها النّاسُ عاقِراً. فما منْ شيءٍ غيرَ مُمكنِ عندَ اللهِ". فقالت مَريمُ: "أنا خادِمَةُ الرَّبِّ: فَلْيكُنْ لي كما تقولُ" (لوقا1/35-37).
تأمل: طوبى لك يا مريم لأنك عشت التجرّد بملئه
طوبى لك يا مريم لأن والديك ربّاك منذ نعومة أظفارك على محبّة الله فوق كلّ شيء، فعشقت نفسك فضيلة التجرّد وعانقتها كطريق لتجسيد هذا الحبّ.
هنيئاً لك يا مريم، يا من مرّست ذاتك على عيش فضيلة التجرّد حتى صارت من طبيعتك، فعشت بقوّتها، طوال أيام حياتك، متحرّرة من كل غمّ وقلق تجاه أمور الارض، ومطواعة لكل أمور السماء.
السعادة لك يا أرزة لبنان، يا من بتجرّدك عن أي رغبة بأمور الدنيا بكلّ ما فيها من مباهج وجمال، أعطيت لجذورك أن تمتد عميقًا في فضيلة الحبّ، ولأغصانك أن تمتّد باثقة نحو العلاء لتعانق ملكوت السماء.
طوبى لك يا مريم، يا من كرّست ذاتك، منذ طفولتك، لخدمة الله وتتميم مشروعه لك، ونسجت حلم خطبتك بيوسف البار بروح هذا التكرّس، فاستطعت بتجرّدك هذا عن ذاتك أن تعيش التسليم المُحبَ والمطلق والطاعة لمشيئة الله الآب، يوم كشفها لك ببشارة الملاك جبرائيل.
هنيئاً لك يا مريم، يا من ربطتي معنى وجودك وسعادتك بالإغتناء بالله و التجرّد عن كنوز الدنيا، فلم يستطع إله العالم، المال والسلطة واللذة، أن يغوي قلبك، فاستثمرت كلّ طاقات الحبّ فيك لتبقي على اتحاد بالله وسلام مع ذاتك ووفاق وحب مع إخوتك البشر.
السعادة لك يا مريم، لأنك بموتك عن ذاتك لتكوني بكليتك "أمةً الرب"، نلتِ حظوةً عند الله فاختارك لتكوني أمّاً لابنه، ولكل ابناءه بالتبنّي.
فها جميع الأجيال تطوّبك يا نجمة الصبح البهيّة لأجل أمومتك لابن الله ولنا، وتنشد بمعونتك السير على خطاك في طريق التجرد عن الذات وتوجيه القلب بكل رغائبه وأحلامه نحو ملكوت السماء. فإذا دنت ساعة الموت لا تكن لنا خسارةً لما نملك، بل لحظةً الوصول إلى قمّة ما كنّا نسعى إليه: الربح الأعظم الذي هو المسيح. آمين.
الخوري شوقي كرم
دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي
من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية