كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "أندرو والمسبحة"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "أندرو والمسبحة"

حدث مرّة في بلدة تُدعى جزيرة الأحلام، أن عائلةً صغيرة تحب يسوع والعذراء كثيرا، قد علّمت الابن الأصغر فيها اندرو على الصلاة بمحبة. وكان الصبي أندرو ذكياً يحسن الإصغاء والطاعة لوالديه. وتميّز ابن الثمانية سنين هذا بحبه للصلاة، فخص العذراء بزاوية جميلة في غرفته، وبصلاة المسبحة بخشوع كل يومٍ أمام تمثالها. وفي أحد الأيام ذهب بموافقة أمّه ليلعب مع رفاقه في الغابة القريبة من القرية. والتقى الرفاق وقرروا معاً أن يلعبوا لعبة "الغميضة".  فاختبأ الجميع على أندرو وهكذا كان عليه أن يبحث عنهم.  لكن الوقت مرّ بسرعة، وبدأ الظلام يحلّ ولم يجد أحد من رفاقه.  ففكر أندرو في نفسه وقال: لا أستطيع العودة إلى المنزل دون رفاقي.  

فبدأ يركض ويصرخ في الغابة مناديًا أصدقائه لكن أحدًا لم يجبه، فزاد قلقهم عليهم. وبينما هو يفتش عنهم في الغابة، وقد حلّ الليل، تعثر أندرو بحجر ووقع على الأرض. ووقع نظره على شيء صغيرٍ يلمع أمامه، فأخذه بيديه ليراه عن قرب. ويا للمفاجأة: مسبحة برّاقة جميلة جدا. فتذكّر أنها تخصّ أحد أصدقائه. فما كان منه سوى أن بدأ الصلاة طالباً من العذراء أن تساعده على إيجاد رفاقه والعودة معهم بسلام إلى منازلهم. وفيما هو يصلّي بكل جوارحه ويفتش في آن واحد عن رفاقه، رأى فجأةً منزلاً مضاءً، فتوجّه نحوه راجياً أن يجد أي شيء يدّل على هويّة صاحبه. ولما وصل وجد ضالته فقرأ العنوان: "الويل لمن يحب يسوع". وتذكّر ما كان يُروى في بلدته عن عجوز شريرة تسكن مثل هذا البيت، وتسجن فيه كل من يُحب يسوع. لكن أندرو، مُتسلحًا بالمسبحة التي يحملها، بدّد كل خوف من قلبه، واقترب من المنزل مُفتشاً عن رفاقه، فاكتشف بالفعل أنهم محبوسين في غرفة صغيرة. فصلّى وطلب من العذراء بأن تهبه الحكمة ليعرف كيف يتصرف، فألهمته. وانتظر العجوز كي تخرج من المنزل مع بزوغ الفجر، ودخل ويطلق سراح رفاقه.

ففرح رفاق أندرو كثيرا برؤيته وبخلاصهم. وقرروا العودة فورًا إلى منازلهم وترك هذه الغابة المخيفة. لكن أندرو لم يسمح لهم بذلك، وطلب منهم أن يختبئوا معًا ليصلّوا معه المسبحة بأكملها، طالبين بشفاعة العذراء أن يحوّل الله قلب هذه العجوز لتصير قادرة على محبة الغير ومحبة يسوع. فوافقوا وأخذوا يصلّون معاً بمحبة وخشوع.  

ويا لدهشتهم! فبعد ساعة من الصلاة الحارة، رأوا العجوز، وقد تغيّر مظهرها، تحمل تمثالاً للعذراء وتضعه في زاوية منزلها وتضيء من حوله الشموع، ومن ثم تخرج وتبدّل العنوان بآخر مكتوبُ عليه: "الويل لمن لا يحب ويعرف يسوع". ففرحوا وتشجعوا فاقتربوا منها وحيّوها فاستقبلتهم بالترحاب، وأعلنت عن رغبتها بتغيير حياتها، وطلبت إليهم ان يقودها إلى الكنيسة لترى الكاهن وتتقدم من السرّ التوبة لديه. ففعلوا ومن فرحهم أهدوها مسبحة جميلة، وعلّموها كيف تصليها، واتفقوا معها على زيارتها دورياً ليصلّوا معها المسبحة.

وعند عودتهم إلى منازلهم، أخبروا والديهم بكل ما حدث معهم. فصفح هؤلاء عن أولادهم وسامحوهم على الخوف الذي زرعوه فيهم طوال وقت تأخر عودتهم. أمّا أندرو فتشبث فيما بعد بصلاة المسبحة وصار رسولاً جريء، يشجع الناس على محبة يسوع ومريم.

العبرة: لا يمكن لمن يصلّي المسبحة أن يخاف من الإنفتاح على كلّ الذين استطاع الشرير أن يغوي قلوبهم ويضلّهم عن طريق الخير والمحبّة، وأن يعمل مصلياً لأجل توبتهم. 

كلمة الله: " "وهناكَ، عندَ صليبِ يسوعَ، وَقفَت أُمُّهُ، وأُخت أُمِّه مريَمُ زوجةُ كِلوبا، ومريمُ المجدليّةُ. ورأى يسوعُ أمَّهُ وإلى جانِبها التّلميذُ الحبيبُ إليه، فقالَ لأمّهِ: "يا امراةُ هذا ابنُكِ". وقال للتلميذِ: "هذه أُمُّكَ". فأخذَها التّلميذُ إلى بيته من تلك الساعةِ" (يوحنا 19/25-27).

تأمل: طوبى لك يا ملجأ الخطأة

طوبى لك يا مريم، لأنك حظيت من المسيح بآخر التفاتة حبٍّ وجهها لبشر من أعلى الصليب، وبآخر وصيّة استودعها لإنسان، وبهما كرّسك أمّاً للكنيسة الممثلة بشخص يوحنا الحبيب.  

هنيئاً لك يا مريم، لأنك أطعت وصيّة ابنك الأخيرة ورافقت التلميذ الحبيب إلى بيته، وبقيت إلى جانبه وجانب إخوته الرسل لتعضديهم وتقوّيهم وتحميهم وتشاركيهم في نشر بُشرى الخلاص لكل البشر.  

السعادة لك يا مريم، لأنك رافقت بصلاتك انتخاب الرسول متيّا، وانتظرت مع الإثني عشر حلول الروح القدس في العنصرة، وشاركتهم بفتح أبواب وشبابيك البيت، الكنيسة، والتوجّه لكلّ شعوب الأرض بكلمة الحق والنور والحياة. 

طوبى لك يا مريم، لأنك تحملين في قلبك محبّةً وعطفاً خاص للخطأة والضالّين، وتتمزق أحشاءك مثل ابنه شفقة وعطفاً عليهم، فتوصي في كل ظهوراتك بأن يعنى بالصلاة لهدايتهم. 

هنيئاً لك يا أماً حبيبة، لأنك مع كونك بنت الناصرة، لم يهنئ لك العيش المطمئن فيها، بل جدّيت الترحال غير مرّة بغير توانٍ، وتحمّت مشقات السفر لترافقي ابنك يسوع في تجواله الرسولي، ومن بعده رسلك في نفس المهمّة، بُغية مشاركتهم في ربح النفوس للملكوت. 

السعادة لك يا مريم، لأن لك على لسان كثيرة من الخطأة الذين تابوا وعادوا إلى حظيرة المسيح تسبحه شكر وعرفان جميل على تدّخلك في تغيير مجرى حياتهم؛ كما وعلى لسان كثيرٍ من القديسين الذين حظوا بحمايتك وعنايتك، لك أجمل الصلوات والأناشيد.

طوبى لك يا مريم ولنا، لأننا إن تركناك ترافقينا مثل يوحنا الحبيب فلن نضلّ الطريق، ولن نتعب من السير على دروب العالم وحبل بشرى الإنجيل، ولن نخاف ألاّ يبقى قلبنا منفتحاً على حاجات إخوتنا البشر من كل لون وعرق و... آمين. 


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم