كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "قصة بهلواني العذراء"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "قصة بهلواني العذراء"

كان هنالك بهلواني فقير، اسمه برنابا، ينتقل من قرية إلى أخرى ليسّلي الناس بأخباره المضحكة وبالرقص وبأعمال البهلوانية. ومع مرور الوقت، تعب برنابا من التجوال في العالم، لا لسأمه مما يصنعه، بل لحاجته العميقة إلى الصمت والسلام. وصدف يوماً، بينما كان يفتّش عن مأوى ليقضي فيه الليل بعد عمل شاق، أن التقى أحد الأخوة الرهبان، فحيّاه وقبل دعوته بمرافقته وتبادل الأحاديث حتى وصولهما إلى دير هادئ ينام مطمئنًّا في قلب وادٍ أخضر. 

وفكّر برنابا في نفسه:"هذا هو المكان الذي أريد أن أرتاح فيه إلى الأبد". ودعاه الأخ الراهب أن يدخل الدير ويبقى معهم مؤكداً له أن " الرب هو الذي وضعه على طريقه"، وبأنه سيجد فيه السلام الذي يبحث عنه. فقبل برنابا الدعوة وخَبِرَ الحياة مع الرهبان وقرر البقاء.

لكنّ أمراً كان يحرجه بسبب جهله وبساطته أمام هؤلاء الأخوّة الذين يتبارون في من يُكّرم بطريقة أفضل العذراء، ويضعون ما أعطاهم الله من مواهب وحذاقة في إكرامها وخدمة ابنها. ولهذا، كان يتنّهد لدى مروره في حصن الدير قائلاً: "أنا لست سعيدًا وغير قادر مثل إخوتي أن أكرّم العذراء مريم أم الله بطريقة لائقة. أنا رجل قاسي وبدون فنّ ولا أحسن نظم الشعر، ولا تأليف الكتب، ولا لوحات مميزة، ولا تماثيل محفورة. أنا لست بشيء...".

 وفتّش برنابا عن عمل يجعله نافعاً لهذه الجماعة، فوجده في الاهتمام بالحديقة والبساتين. وأمام عدم تقدير إخوته لعمله وعتابهم الدائم له، كان يردد في نفسه: "أنا لست نافع لشيء".

ومرّت الأيام، فاكتشف برنابا كنيسة مهجورة تحت الدير، فيها تمثال للعذراء مع الطفل يسوع على أحد الأعمدة. وفي هذه اللحظات بالذات، فوق الكنيسة، كان الإخوة مجتمعون يصلّون وينشدون. أمّا برنابا فكان ينظر إلى العذراء مريم. ويصلّي: "أيتها العذراء مريم. في الكنيسة فوق يصلّي الأخوة الأتقياء والمشتعلين حبًّا لك". وأنا لا أحسن شيء. ولا أعرف حتى كيف عليّ أن أخدم الربّ. وفجأة يسمع برنابا البهلواني صوت العذراء تقول له: "اخدمه بالذي تعرفه". وتفاجأ برنابا بهذا الاقتراح وأخذ يفكّر: "أخدمه بالذي أعرفه، بالذي أعرفه...". أنا أعرف القفز والرقص! فأجابته العذراء مريم نعم بالرقص والقفز!. فاستجاب دعوتها وعمل فرحاً بما أشارت عليه، مؤدياً صلاته بحركاته البهلوانية.   

وانتبه أحد الأخوة لغياب برنابا عن صلوات جماعة الأخوة، فتبعه ورأى ما يفعله، فاستهجنه وفكر فيه كسببٍ لطرده، وأسرع فأخبر رئيس الدير بما رأى. وانذهل رئيس الدير للخبر، فقرر أن ينزل بنفسه مع الأخ ويرى بأم عينه ما يجري. وانسل مع الأخ في اليوم التالي إلى الكنيسة المهجورة ورأى برنابا كيف يدعي بأنه يمجّد العذراء. ولما أعيا برنابا من التعب وسقط على الأرض، همّ الرئيس بالمجيء إليه لمعاتبته، رأى فجأة العذراء تمد يدها وتمسح بمعطفها الأزرق عرق برنابا وتباركه. ويا لعظمة دهشة الرئيس والأخ لهذا المنظر. وكان قلبيهما ينبضا بسرعة. وحتى لا يزعجاه، تراجعا على أطراف أصابعهما، وعادا إلى الكنيسة فوق للصلاة مع الأخوة. وفي تلك الليلة نادى الرئيس برنابا إلى مكتبه، وأخبره بأنه علم بما يفعله. وقام لمعانقة برنابا الخائف من الطرد وقال له: " لقد رأيت كل شيء يا بنيّ". فيك منذ الآن أن تخدم الربّ مثلما تريد، بالرقص والألعاب البهلوانية". 

ومنذ تلك الساعة لم يعد يخاف برنابا مما يصنعه. أمّا الأخوة ففهموا أنه بإمكانه أن يمجّد الله وهو يصلّي في عمله فرحًا. ولأول مرّة في التاريخ، سمح للأولاد أن يدخلوا إلى الدير، ليتسلّوا وهم يشاهدون البهلواني برنابا في ألعابه، الذي صار اسمه "بهلواني العذراء". 


العبرة: تشير العذراء علينا بأن نشهد للرب ونخدمه "وَفْقَ ما نعرف وما لدينا من موهبة". لذلك يمكننا جميعًا أن نقدم لله عطيّة تليق به إذا أردنا.

كلمة الحياة: "وجاء الرعاة مُسرعين، فوجدوا مَريَمَ ويوسُفَ والطِّفلَ مُضجعاً في المِذودِ. فلمّا رأوهُ أخبروا بما حَدَّثهُمُ الملاكُ عَنهُ. فكانَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ يَتعجَّبُ من كلامِهم. وحفظت مريمُ هذا كُلَّهُ وتأمَّلتْهُ في قَلبِها" (لوقا2/16-19). 

تأمل: طوبى لك يا تابوت العهد. 

طوبى لك يا مريم، لأنك في البشارة بابن الله كما في الحبل، في الولادة كما في الختانة، في الهرب إلى مصر كما في العودة إلى الناصرة، في الحجّ إلى هيكل أورشليم كما في دخول المسيح ابنك أورشليم، كنت لنا شهادةً حيّة في الطواعية تجاه جديد الله الدائم. 

هنيئاً لك يا مريم، لأنك في صمتك كما في كلامك، في تأملك كما في صلاتك، في خدمتك كما في إصغاءك لابنك، كنت لنا شهادةً صادقة في العبادة الحق للرب بالروح والحق.

طوبى لك يا مريم، لأنك في قبولك سيف الألم في قلبك يوم حكم على ابنك بالموت ظلماً، وكللّ بالشوك هزؤاً، وبالصلب تجريماً، وبالدفن في القبر تكريماً، كنت لنا شهادة ساطعة عن الأمانة للعروس الإلهي حتى الموت. 

طوبى لك يا بيت القربان، لأنك حيثما حللت كان لك شهادة بارزة في ابنك، ودعوة للمجيء إليه بكل الجوارح والبقاء معه والتتلمذ على يديه. 

هنيئاً لك يا مريم، لأنك حفظت كل ذكريات وكلمات يسوع في قلبك، وتأملتها ونسجت كل شرايينك ومفاصلك بها، واختبرتها وعشت منها وفيها، ونقلتها للرسل والتلاميذ وتذكري بها أبناءك اليوم شهادةَ حيّة عن حقيقة لاهوت وناسوت ابنك. 

السعادة لك يا مريم ولنا، لأنك تساعدي كل مؤمن بيننا أن يأتي إلى يسوع بفرح وثقة، ويتتلمذ له ويبقى معه، ويدخل لأجله في مجد الصليب، ويصبح لعظمة حبّة له مستعدّاً ان يشهد له بالحب حتى بذل الذات. آمين. 


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم