كتّاب المحبّة
"مريم"… علامة رجاء
في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الخوف، ويثقل الإنسان بما لا يستطيع أن يغيّره، تأتي مريم في عيد انتقالها إلى السماء لا كذكرى من الماضي، بل كعلامة حيّة تقول لنا: النهاية التي يكتبها الله للإنسان ليست الموت، بل الحياة؛ وليست العتمة، بل النور؛ وليست القبر، بل القيامة.
مريم هي علامة الرجاء لأن حياتها كلّها كانت مسيرة ثقة. لم تكن تعرف كل الطريق، لكنها عرفت مَن يقودها. يوم قال لها الملاك إنّها ستصير أمًّا لابن الله، لم تُعطَ كل الأجوبة، بل أُعطيت كلمة. وكان جوابها: «ليكن لي بحسب قولك». هكذا يبدأ الرجاء الحقيقي: لا حين نفهم كل شيء، بل حين نثق بالله وسط ما لا نفهمه.
وفي انتقال مريم، تبلغ هذه الثقة ذروتها. فالله الذي رافقها في الناصرة، وفي بيت لحم، وفي الهرب، وفي سنوات الصمت، وعند الصليب، لم يتركها أسيرة الموت. الانتقال هو إعلان أن الإنسان الذي سلّم حياته لله لا يضيع؛ وأن الحب الذي يأتي من الله لا ينتهي عند حدود القبر.
مريم في مجدها السماوي هي أيضًا جواب الله على سؤال الإنسان المعاصر: إلى أين نمضي؟
نحن نعيش في عالمٍ يملك وسائل كثيرة للحياة، لكنه فقد أحيانًا معنى الحياة. نركض خلف النجاح، والمال، والصورة، والمكانة، ثم نكتشف أن القلب ما زال يبحث عن شيء أبعد. تأتي مريم لتقول إن كرامة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يصير إليه في الله.
هي أيقونة الإنسان المكتمل؛ الإنسان الذي لم يبتلع العالم قلبه، بل حمل الله في قلبه. ولذلك لا ينتهي مصيرها في التراب. ففيها نرى مسبقًا ما تعد به القيامة كل مؤمن: أن الجسد ليس شيئًا يُرمى بعد انتهاء الحياة، وأن الإنسان ليس روحًا هاربة من جسدها، بل شخصٌ يحبه الله بكليته، ويقوده إلى ملء الحياة.
ولذلك، فإن عيد انتقال العذراء ليس عيدًا عن مريم وحدها. إنه عيد عنّا نحن أيضًا. في مريم نرى مستقبلنا وقد بدأ يتحقق فيها. هي أولئك الذين يقول لهم المسيح إن الموت ليس الكلمة الأخيرة. هي صورة الكنيسة حين تبلغ اكتمالها، وصورة الإنسان حين تستعيده النعمة من كل ما شوّه صورته.
لكن مريم لا تعطي الرجاء من بعيد. هي أمّ الرجاء. تقف قرب الإنسان في لحظات الانكسار كما وقفت عند الصليب. لم تهرب من الألم، ولم تتجاوز الصليب بطريقة سحرية؛ بل وقفت تحته. وهذا هو سر رجائها: أنها لم تكن تملك تفسير الألم، لكنها كانت تملك حضور الله.
كم نحتاج اليوم إلى هذا الرجاء!
رجاءً لا يعني أن كل شيء سيكون سهلًا، بل أن الله سيكون معنا حتى عندما لا يكون شيء سهلًا.
رجاءً لا ينكر المرض والفقدان والحروب والأزمات، بل يرفض أن يجعل منها الكلمة الأخيرة.
رجاءً لا يقول للإنسان: «لا تخف لأن لا شيء سيؤلمك»، بل يقول له: «لا تخف، لأنك لست وحدك في الألم».
ومن أجمل ما تقوله مريم للعالم أن الرجاء لا يحتاج إلى ضجيج. عاشت معظم حياتها في الخفاء. لم تبحث عن الأضواء، ولم تصنع مجدها بنفسها. كانت عظمتها في أمانتها. وفي عالمٍ يريد فيه الجميع أن يُرَوا ويُسمَعوا، تأتي مريم لتذكّرنا أن بعض أعظم الأشياء في الحياة تنمو بصمت: إيمان أم، أمانة زوجين، صلاة عجوز، دمعة تائب، تضحية إنسان، وخدمة لا يعرف بها أحد.
مريم لم تكن قوية لأنها لم تتألم، بل لأنها لم تسمح للألم أن ينتزع الله من قلبها.
وفي عيد انتقالها، لا نرفع أعيننا إلى السماء لنبتعد عن الأرض، بل لنرى الأرض بنظرة جديدة. من يؤمن بالسماء لا يحتقر الأرض، بل يخدمها أكثر. ومن ينتظر الحياة الأبدية لا يهرب من مسؤوليات الحياة، بل يجعل أيامه هنا أكثر إنسانية ورحمة وحقًا ومحبة.
مريم التي انتقلت إلى السماء ما زالت تقول لكل أمّ موجوعة، ولكل أبٍ خائف، ولكل شابّ تائه، ولكل إنسان أنهكه الانتظار: ثق. لم تنتهِ القصة بعد.
فالله لا يترك القصص الجميلة ناقصة. والدموع ليست نهاية الحكاية.والصليب ليس آخر الطريق.والقبر ليس الوطن الأخير.
في عيد انتقال السيدة العذراء، نتعلم أن الرجاء ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل إيمان بأن الله يملك الكلمة الأخيرة.
ومريم هي العلامة. كلما خفنا، تنظر إلينا وتقول: ثقوا.
كلما ضاقت الطرق، تقول: سلّموا لله. كلما بدا الموت أقوى من الحياة، تقول: انظروا إلى حيث وصلت أنا.
وكلما شعرنا أن السماء بعيدة، تذكّرنا بأنها أمّنا هناك، وأن الطريق الذي عبرته هي، يفتحه المسيح لكل من يؤمن به.
مريم انتقلت… لكي نتذكّر أن مصير الإنسان ليس أن ينتهي، بل أن يعبر؛ ليس أن يسقط في العدم، بل أن يقوم إلى ملء الحياة.
لذلك، في عيدها، لا نطلب فقط أن تحرسنا مريم، بل أن تعلّمنا ما عاشتْه:
أن نقول «نعم» عندما لا نفهم،
وأن نبقى واقفين عندما نتألم،
وأن نحفظ الله في القلب عندما يصمت كل شيء،
وأن نؤمن، حتى في ليلنا الطويل، بأن الفجر آتٍ.
مريم… يا علامة الرجاء،
علّمينا أن نرى ما وراء الألم،
وما وراء الخوف، وما وراء الموت، أن نرى المسيح، الحياة التي لا تزول.
الخوري طوني بو عساف
دكتور في العلوم التربوية
من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه