كتّاب المحبّة

الاحد الرابع من زمن الصليب: "كونوا ساهرين وأمناء، لأنّ الربّ آتٍ"

الاحد الرابع من زمن الصليب: "كونوا ساهرين وأمناء، لأنّ الربّ آتٍ"

السهر والترقّب ليسا خوفًا من المستقبل، بل ثقة بالله تُترجَم أمانةً في الحياة، وحكمةً في تدبير المواهب، وخدمةً للإخوة، واستعدادًا دائمًا للقاء الربّ.

١-السهر بالإيمان والثقة بالله، على مثال يوسف الذي ائتمنه فرعون.

يبدأ مسيرنا الروحيّ من الحقيقة التي يعلنها سفر التكوين: الله هو خالقنا، وهو الذي أراد لنا الحياة، ودعانا إلى علاقة حبّ وشركة معه. فالإنسان لم يُخلَق ليعيش محصورًا في حدود الأرض والزمن، بل ليكتشف في الله أصل وجوده وغاية حياته، ويتّجه نحو ملء الحياة التي أُعِدَّت له.

لكنّ الإنسان، منذ سقوطه الأوّل، أراد أحيانًا أن يستقلّ عن الله، وأن يعرف كلّ شيء، وأن يمسك بمستقبله بيديه. لذلك نرى في داخلنا رغبةً دائمة في معرفة ما سيحدث غدًا، وما ينتظرنا في المستقبل، ومتى تنتهي محننا، ومتى تتبدّل ظروفنا. وهذا ما نلمسه أيضًا في تلاميذ يسوع، الذين أرادوا أن يعرفوا متى تأتي نهاية الأزمنة. أمّا يسوع، فلم يُعطِهم جدولًا زمنيًّا، بل دعاهم إلى السهر والأمانة.

وهنا يضيء أمامنا نصّ سفر التكوين، الذي يروي قصّة يوسف، الذي انتقل من السجن إلى موقع المسؤوليّة، وصار موضع ثقة فرعون. فعندما رأى فرعون الحكمة التي أظهرها يوسف، قال لحاشيته: «أَنَجِدُ رَجُلًا مِثْلَ هذَا فِيهِ رُوحُ الله؟» (تك ٤١: ٣٨). ثمّ ائتمنه على بيته، وسلّمه مسؤوليّة تدبير أرض مصر، وأعطاه السلطان ليواجه سنوات الشبع والمجاعة بحكمة وتبصّر.

لم يكن يوسف رجلًا عرف كلّ تفاصيل مستقبله، بل رجلًا تعلّم أن يبقى أمينًا لله في الظروف التي لم يفهمها، وفي المحن التي لم يكن يعرف نهايتها. لم يكن يعلم، وهو في السجن، أنّه سيقف يومًا أمام فرعون، ولم يكن يملك ضمانةً بشريّة بأنّ الظلم الذي تعرّض له سينتهي. لكنّه لم يسمح للألم بأن يسلبه أمانته، ولا للانتظار بأن يحوّله إلى إنسان يائس. وعندما جاءت الساعة، كان مستعدًّا ليضع ما منحه الله من حكمة ومواهب في خدمة الآخرين.

إنّ قصّة يوسف تكشف لنا أنّ الثقة بالله ليست انتظارًا سلبيًّا، بل استعدادًا دائمًا. فالله لا يطلب منّا أن نعرف كلّ ما يخبّئه المستقبل، بل أن نكون أمناء في الحاضر، لكي نستطيع أن نتحمّل المسؤوليّة عندما يدعونا إليها.

وهنا نكتشف رابطًا عميقًا بين يوسف وخادم الإنجيل الذي يقدّمه لنا يسوع. فكما ائتمن فرعون يوسف على بيته وخيراته، كذلك يأتمن الربّ خادمه الأمين على بيته وخدمه، ويطلب منه أن يعطيهم طعامهم في حينه. وفي الحالتين، لا تكون الثقة مجرّد تكريم أو امتياز، بل تكليفًا ومسؤوليّة. فالذي يُؤتمن على الخيرات مدعوّ إلى أن يدبّرها بحكمة، لا لمصلحته الشخصيّة، بل من أجل حياة الآخرين وخيرهم.

غير أنّ هناك فرقًا جوهريًّا: فرعون ائتمن يوسف على أرض مصر وخيراتها، أمّا الله فيأتمننا على عطاياه وعلى إخوتنا، ويدعونا إلى أن نكون شهودًا لمحبّته ووكلاء لملكوته. إنّه لا يطلب منّا أن نعرف أسرار المستقبل، بل أن نكون مستعدّين لمشيئته، وأن نضع حياتنا ومواهبنا بين يديه.

وهذا ما يوضحه القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، حين يدعونا إلى ألّا نعيش في الظلمة، بل بوصفنا «أبناء النور وأبناء النهار» (١ تس ٥: ٥). فالمؤمن لا يجعل خوفه من الغد يسرق منه مسؤوليّته اليوم، ولا ينتظر أن تتّضح أمامه كلّ الأمور كي يبدأ بعمل الخير، بل يثق بالله ويعمل بحكمة وأمانة، عالمًا أنّه مدعوّ إلى أن يكون أداةً في يد الله لحفظ الحياة وخدمة الإنسان.

ويذكّرنا القدّيس أوغسطينوس، في تأمّلاته حول علاقة الإنسان بالله، بأنّ قلب الإنسان لا يجد راحته الحقيقيّة إلّا فيه. لذلك، فإنّ سلامنا لا يأتي من امتلاك أجوبة عن كلّ أسئلتنا، بل من الثقة بالله الذي يعرف طريقنا، ويرافقنا في محننا، ويدعونا إلى أن نتعاون معه في تحقيق الخير.

لقد أراد آدم وحوّاء أن يصيرا مثل الله، وأن يمتلكا معرفة الخير والشرّ، وكأنّهما يريدان أن يمسكا بمصيرهما بعيدًا عن خالقهما. ونحن أيضًا قد نقع في التجربة نفسها عندما نريد أن نعرف كلّ شيء، وأن نتحكّم بكلّ شيء، لأنّنا نخاف من المجهول. أمّا الإيمان، فيدعونا إلى موقف مختلف: أن نضع مستقبلنا بين يدي الله، من دون أن نتخلّى عن مسؤوليّتنا، وأن نثق بعنايته من دون أن نستسلم للكسل أو اللامبالاة.

فيوسف يعلّمنا أنّ الثقة بالله تعني الاستعداد والأمانة؛ وبولس يدعونا إلى السهر كأبناء النور؛ ويسوع يطلب منّا أن نكون خدّامًا أمناء وعقلاء، يعرفون أنّ كلّ عطية أُعطيت لهم هي أمانة ينبغي أن تُثمر في حياة الآخرين.

لذلك نسأل أنفسنا: هل نحن أهلٌ للثقة التي يضعها الله فينا؟ وهل نستعمل مواهبنا ومواقعنا ومسؤوليّاتنا لخدمة الحياة، أم نبحث فقط عمّا يطمئننا نحن؟ وهل نعيش يومنا بأمانة، مستعدّين للقاء الربّ، كما لو أنّه سيأتي اليوم، وواثقين به كما لو أنّ حياتنا كلّها بين يديه؟

إنّ الساهر الحقيقيّ هو الذي لا يخاف من المستقبل، لأنّه يثق بالله؛ ولا يهمل الحاضر، لأنّه يعرف أنّه مؤتمن عليه؛ ولا يستعمل ما أُعطي له لمصلحته وحده، لأنّه يدرك أنّ كلّ عطية من الله هي دعوة إلى الخدمة والمحبّة.

 ٢-السهر بالأمانة والعقل، لأنّ الإيمان مسؤوليّة يوميّة.

يطرح يسوع في إنجيل اليوم سؤالًا واضحًا: «مَن هو الخادم الأمين العاقل الذي أقامه سيّده على خدمه ليعطيهم الطعام في حينه؟» (متّى ٢٤: ٤٥).

لا يتحدّث الربّ عن شخص ينتظر عودته مكتوف اليدين، ولا عن إنسان ينشغل بحساب موعد مجيئه، بل عن خادم يعرف مسؤوليّته ويؤدّيها بأمانة، حتى عندما لا تكون عين سيّده عليه.

إنّ الخادم الأمين لا يجعل غياب السيّد فرصةً لاستغلال الآخرين، بل يعتبر الأمانة واجبًا ثابتًا، لأنّ علاقته بسيّده لا تقوم على الخوف من العقاب، بل على الوفاء والثقة والمحبّة.

وهنا تكمن إحدى أهمّ حقائق الحياة المسيحيّة: الإيمان ليس مجرّد قناعة نحملها في عقولنا، بل حياة نترجمها بأعمالنا.

يؤكّد المجمع الفاتيكانيّ الثاني، في الدستور العقائديّ «نور الأمم»، أنّ المؤمنين، بقوّة معموديّتهم، مدعوّون جميعًا إلى القداسة وإلى الشهادة للمسيح، كلّ بحسب دعوته وموقعه في الكنيسة والعالم. فالقداسة ليست حكرًا على المكرّسين، بل دعوة تشمل كلّ معمّد، في عائلته وعمله ومجتمعه.

لذلك، لا تقتصر الأمانة للربّ على الكاهن أو الراهب أو الراهبة، بل تشمل كلّ مؤمن. فالأب الذي يربّي أبناءه في المحبّة والعدل، والأمّ التي تبذل ذاتها في خدمة عائلتها، والشابّ الذي يرفض الغشّ ويختار الصدق، والعامل الذي يؤدّي عمله بنزاهة، والمسؤول الذي لا يستغلّ سلطته، كلّهم يستطيعون أن يعيشوا أمانتهم للربّ في حياتهم اليوميّة.

وهكذا نفهم أنّ الأمانة ليست فقط في المحافظة على ما تسلّمناه، بل أيضًا في معرفة كيفيّة استخدامه. لقد ائتمن فرعون يوسف على مصر، ولم يكن المطلوب منه أن يحتفظ بمفاتيح الخزائن فحسب، بل أن يدبّر خيرات البلاد بحكمة، لكي لا يموت الناس جوعًا. وكذلك نحن، عندما يأتمننا الله على عائلة أو مسؤوليّة أو موهبة أو موقع في الكنيسة والمجتمع، فإنّه يطلب منّا أن نجعل هذه الأمانة مصدر حياة للآخرين.

والسهر المسيحيّ لا يعني أن نراقب الآخرين لنكتشف أخطاءهم، بل أن نراقب ضميرنا لكي لا نبتعد عن الإنجيل. لا يكفي أن نكون مسيحيّين بالاسم، أو أن نحضر القدّاس يوم الأحد، إذا كانت حياتنا خلال الأسبوع تناقض ما نحتفل به على المذبح.

وفي الوقت نفسه، لا تعني الأمانة أن نتوقّف عن استعمال عقولنا. فالخادم الذي يصفه يسوع هو «أمين وعاقل». الأمانة تحفظنا من الخيانة، والعقل يساعدنا على التمييز بين ما يرضي الله وما يبعدنا عنه. والإيمان لا يلغي العقل، بل ينيره ويوجّهه نحو الحقيقة والخير.

فالمؤمن ليس مدعوًّا إلى خنق عقله، بل إلى تنمية معرفته بالله، والبحث عن الحقيقة، وتمييز ما يبني الإنسان ممّا يهدمه. لا يستطيع العقل البشريّ أن يحيط بسرّ الله كلّه، لكنّه يبقى عطية إلهيّة تساعدنا على فهم كلمة الله وتطبيقها، وعلى اتخاذ قرارات تنسجم مع ضميرنا المسيحيّ.

إنّ خياراتنا اليوميّة يجب أن تكون مستنيرة بالإيمان والعقل معًا: ماذا نقرأ؟ ماذا نشاهد؟ كيف نتكلّم؟ كيف نتعامل مع الآخرين؟ كيف نستخدم المال والسلطة والمعرفة؟ وهل تساعدنا صداقاتنا ومشاريعنا وانتماءاتنا على النموّ في الخير والقداسة؟

ويذكّرنا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، في تعليمه عن الرحمة ومحبّة الفقراء، بأنّ الإيمان لا ينفصل عن مسؤوليّتنا تجاه المحتاجين. فلا يكفي أن نعلن محبّتنا لله، فيما نغلق قلوبنا أمام الإنسان الذي يحتاج إلى مساعدتنا.

ومن هنا، تصبح الأمانة مسيرة يوميّة من التوبة والنضوج. قد نتعثّر، وقد نخطئ، لكنّ الخادم الأمين لا يبرّر خطأه ولا يصرّ على طريقه، بل يعود إلى الربّ، ويصحّح مساره، ويجدّد التزامه بالإنجيل.

لذلك نسأل أنفسنا: ما هي الأمانة التي يطلبها الربّ منّي اليوم؟ هل هي كلمة حقّ يجب أن أقولها؟ أم اعتذار يجب أن أقدّمه؟ أم ظلم يجب أن أتوقّف عنه؟ أم مسؤوليّة أهملتها؟ أم إنسان ينتظر منّي مساعدة أو كلمة تعزية؟

إنّ الربّ لا يطلب منّا دائمًا أعمالًا عظيمة تلفت الأنظار، بل يطلب أن نكون أمناء في الأمور الصغيرة، لأنّ القداسة كثيرًا ما تنمو في تفاصيل الحياة التي لا يراها أحد، لكنّ الله يراها ويعرف قيمتها.

فالسهر الحقيقيّ هو أن نعيش إيماننا في كلّ يوم، وأن نستخدم عقلنا في التمييز، وأن نكون أمناء على كلّ ما وضعه الله بين أيدينا.

٣-السهر بالمحبّة والخدمة، لأنّنا أبناء النور.

يقدّم لنا يسوع صورة الخادم الذي أساء استعمال غياب سيّده، فبدأ يضرب رفقاءه ويعيش لأنانيّته ومصالحه. وهذه الصورة تكشف خطرًا روحيًّا كبيرًا: أن يتحوّل الإنسان من خادم إلى متسلّط، ومن مؤتمن على الخير إلى مستغلّ للآخرين.

إنّ الخطيئة هنا ليست مجرّد مخالفة لوصيّة، بل تشويه للعلاقة مع الله ومع الإنسان. فالذي يسيء استعمال سلطته، أو يظلم الضعيف، أو يستغلّ حاجة الآخرين، ينسى أنّ كلّ إنسان يحمل كرامةً مصدرها الله، وأنّ ما أُعطي له من مواهب أو مسؤوليّات هو أمانة لخدمة الحياة، لا وسيلة للسيطرة.

من هنا، يصبح السهر الروحيّ دعوةً إلى محاسبة الذات: هل أستخدم ما لديّ لكي أخدم، أم لكي أفرض نفسي؟ هل أتعامل مع الآخرين كإخوة، أم كأشخاص ينبغي أن يحقّقوا رغباتي؟ هل أستعمل سلطتي وموقعي ومعرفتي لبناء الآخرين، أم لإضعافهم وإذلالهم؟

يقول القدّيس بولس: «فلنَسهرْ ونَصْحُ، لابسينَ دِرعَ الإيمان والمحبّة، وخوذةَ الرجاء في الخلاص» (راجع ١ تس ٥: ٨).

إنّ بولس يحدّد لنا هنا ملامح الإنسان الساهر: الإيمان الذي يضع ثقته بالله، والمحبّة التي تجعله قريبًا من إخوته، والرجاء الذي يحفظه من اليأس. فالسهر ليس مجرّد انتظار لنهاية العالم، بل عيشٌ للإيمان والمحبّة والرجاء في عالم يحتاج إلى شهادة المسيحيّين.

ويعلّمنا القدّيس يوحنّا بولس الثاني أنّ القداسة دعوة موجّهة إلى جميع المؤمنين، وأنّ الحياة المسيحيّة مدعوّة إلى أن تتجلّى في مختلف ظروف الحياة اليوميّة. فالقداسة ليست ابتعادًا عن العالم، بل حضورًا فيه بروح المسيح، لكي يتحوّل إلى مكان للمحبّة والعدالة والسلام.

أمّا القدّيس فرنسيس الأسيزيّ، فيذكّرنا بشهادته أنّ المحبّة الحقيقيّة تظهر في التواضع وخدمة الفقير والمحتاج. فالإنسان الذي ينتظر الربّ لا يمرّ بلا مبالاة أمام جوع أخيه أو وحدته أو ألمه، بل يرى في كلّ محتاج فرصةً ليخدم المسيح نفسه.

وهذا ما يعنيه يسوع بقوله إنّ الخادم الأمين يعطي أهل البيت طعامهم في حينه. فلكلّ إنسان جوعه: هناك من يحتاج إلى الخبز، وهناك من يحتاج إلى كلمة حقّ، وهناك من يحتاج إلى إصغاء، أو مسامحة، أو تشجيع، أو حضور يخرجه من وحدته. والساهر روحيًّا هو الذي يتنبّه إلى هذه الحاجات، ولا يؤجّل المحبّة إلى الغد.

وهنا تلتقي رسالة يوسف مع رسالة الخادم في الإنجيل. فقد أدرك يوسف أنّ مسؤوليّته لا تتوقّف عند إدارة الخيرات، بل تشمل حفظ حياة الناس في زمن الجوع. وكذلك نحن، لا تكفي أمانتنا في المحافظة على ما ائتمننا الله عليه، إن لم تتحوّل إلى عطاء يخفّف جوع الآخرين، المادّيّ والروحيّ والنفسيّ والعاطفيّ.

إنّ العائلة التي تستقبل إنسانًا وحيدًا، والرعيّة التي تهتمّ بفقيرها، والمسؤول الذي يطبّق العدالة، والشابّ الذي يساند صديقه في وقت الشدّة، كلّهم يجعلون من حياتهم جوابًا عمليًّا لدعوة الربّ. فالمحبّة لا تنتظر دائمًا ظروفًا مثاليّة، بل تبدأ بما نملكه، وبما نستطيع فعله، وبالإنسان الذي وضعه الله في طريقنا.

أمّا الخادم غير الأمين، فيحوّل غياب السيّد إلى فرصة للاستغلال، ويجعل نفسه أعلى من إخوته. وهذه هي خطيئة الكبرياء والظلم: أن ننسى أنّنا جميعًا متساوون في الكرامة أمام الله، وأنّ المسؤوليّة ليست امتيازًا يتيح لنا إخضاع الآخرين، بل دعوة إلى خدمتهم.

وعندما يتحدّث الإنجيل عن تمزيق الخادم وجعل مصيره مع المنافقين، فهو يذكّرنا بخطورة الانقسام بين ما نعلنه وما نعيشه، بين الإيمان الذي نحمله على شفاهنا والأعمال التي تصدر عنّا. فالإنسان الذي يعلن محبّته للمسيح، ثمّ يظلم أخاه أو يستغلّه، يعيش انقسامًا روحيًّا يحتاج إلى التوبة والمصالحة.

إنّ المنافق يظنّ أنّه يستطيع أن يخدع الآخرين وأن يخفي حقيقة قلبه، لكنّه ينسى أنّ الله يرى ما في الأعماق. لذلك، يدعونا الإنجيل إلى وحدة الحياة: أن يكون إيماننا في قلوبنا هو نفسه الذي يظهر في كلامنا وأعمالنا وعلاقاتنا.

إنّ انتظار مجيء الربّ لا يجعلنا نهرب من مسؤوليّاتنا الحاضرة، بل يدفعنا إلى مضاعفة أمانتنا. نحن لا نعرف متى يأتي السيّد، لكنّنا نعرف ماذا أوصانا أن نفعل قبل مجيئه: أن نحبّ، وأن نخدم، وأن نغفر، وأن نرفع المظلوم، وأن نكون شهودًا للنور في عالم تكثر فيه الظلمة.

وعندما يأتي الربّ، لن تكون قيمة حياتنا في عدد السنوات التي عشناها، ولا في المناصب التي شغلناها، ولا في الممتلكات التي جمعناها، بل في المحبّة التي زرعناها، والأمانة التي حفظناها، والحياة التي ساهمنا في بنائها.

لذلك نسأل أنفسنا: هل يجد الربّ فينا خدّامًا ينتظرون عودته بالخوف واللامبالاة، أم أبناءً للنور يجعلون من كلّ يوم فرصةً جديدةً للمحبّة والخدمة؟

-أن ينتظرنا الربّ أمناء عند مجيئه.

إنّ كلمة الله اليوم تدعونا إلى أن نعيش ثلاثة أبعاد مترابطة في حياتنا المسيحيّة: أن نسهر بالإيمان، فنضع مستقبلنا بين يدي الله؛ وأن نسهر بالأمانة والعقل، فنترجم إيماننا إلى أعمال وقرارات مسؤولة؛ وأن نسهر بالمحبّة، فنجعل حضورنا في العالم امتدادًا لحضور المسيح.

يوسف يعلّمنا أنّ الأمانة في المحن تُهيّئنا لتحمّل المسؤوليّة، وأنّ الحكمة التي يمنحنا إيّاها الله يجب أن توضع في خدمة الحياة. وبولس يدعونا إلى أن نعيش كأبناء النور، متسلّحين بالإيمان والمحبّة والرجاء. أمّا يسوع، فيضع أمامنا صورة الخادم الأمين والعاقل، الذي لا يستغلّ غياب سيّده، بل يظلّ مستعدًّا، ويعطي كلّ إنسان طعامه في حينه.

لا نعرف ساعة مجيء الربّ، لكنّنا نعرف الطريق الذي رسمه لنا. لا نملك أجوبة عن كلّ أسرار المستقبل، لكنّنا نملك كلمته التي تنير حاضرنا. ولا نستطيع أن نمنع كلّ صعوبات الحياة، لكنّنا نستطيع أن نواجهها برجاء أبناء النور.

فلنطلب من الربّ نعمة القلب الساهر، والعقل المستنير، والإرادة الأمينة، لكي لا يفاجئنا مجيئه ونحن غارقون في اللامبالاة أو الأنانيّة، بل يجدنا منكبّين على خدمة الإنجيل، ومحبّة إخوتنا، وصنع الخير.

يا ربّ، علّمنا أن نسهر من دون خوف، وأن ننتظر من دون ملل، وأن نخدم من دون مصلحة، وأن نحبّ من دون شروط. آمين.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم