كتّاب المحبّة
الصوم في الطقس المارونيّ
يأتي زمن الصوم في الكنيسة المارونيّة بعد زمن الدنح وأسابيع التذكارات الثلاثة. ويمتدّ من أحد مدخل الصوم أي أحد عرس قانا الجليل إلى يوم الجمعة من الأسبوع السادس، وهو تمام الأيّام الأربعين وفيه يُتلى إنجيل التجارب. يلي هذا الزمن أسبوع الآلام الذي هو زمن قائم بذاته يمارَس فيه الصوم أيضًا.
تفتتح آحاد زمن الصوم في الطقس المارونيّ بأحد عرس قانا الجليل وتُختتم بأحد الأعمى. تركّز هذه الآحاد على حنان يسوع تجاه الخطأة والمرضى، "مدّ يده ولمسه قائلاً: قد شئت فابرأ" (مر 1: 41)، وعلى رحمته تجاه البشريّة المتألّمة والخاطئة، "يا ابني، مغفورة لك خطاياك" (مر 2: 5)، فيحنو على هذه البشريّة ويضمّد جراحها بعطفه ومحبّته وغفرانه. وتتجلّى محبّة الله بأسمى معانيها في منتصف الصوم في أحد مثل الابن الشاطر الذي يركّز على محبّة الله الآب تجاه الخاطئ والتائب على خطيئته من جهة، وعلى توبة الابن الشاطر الذي عاد إلى أبيه واثقًا غفرانه له خطيئته. ما يلفت النظر هو أنّ هذا الأحد هو الوحيد الذي يُتلى فيه مثل بينما بقيّة الآحاد تتلى فيه أناجيل شفاءات لأمراض عديدة.
1) آحاد الصوم
تقسم آحاد الصوم على الشكل التالي:
- أحد مدخل الصوم: عرس قانا الجليل
- الأحد الثاني من الصوم: أحد الأبرص
- الأحد الثالث من الصوم: أحد المنزوفة
- الأحد الرابع من الصوم: أحد الابن الشاطر
- الأحد الخامس من الصوم: أحد المخلّع
- الأحد السادس من الصوم: أحد الأعمى
2) أسابيع الصوم
أمّا أسابيع زمن الصوم فهي تقسم إلى ثلاث مراحل: تركّز الأسابيع الثلاثة الأولى على تعاليم السيّد المسيح وعلى ممارسة السهر والصوم والصلاة والصدقة، هو المعلّم الذي "يتكلّم كمن له سلطان" (مت 7: 29). ثمّ يأتي أسبوعا العجائب حيث ينشر المسيح ملكوت الله بأعمال البرّ والشفاء وطرد الشياطين، "إذا كنت بروح الله أطرد الشياطين، فملكوت الله حلّ بينكم" (مت 12: 28)، هو الطبيب الشافي كلَّ الجراح والأمراض. ويختم زمن الصوم بأسبوع الشعانين الذي تستعدُّ فيه الكنيسة لدخول مدينة السلام أورشليم مع المسيح الملك بالهوشعنا والهتافات. ومع أسبوع الشعانين الذي ينتهي بأحد الشعانين يُطرح السؤال: أما يجدر بالأسبوع الليتورجيّ أن يكون استعدادًا ليوم الأحد على مدار السنة؟
يلي زمن الصوم المقدّس في الكنيسة المارونيّة أسبوع الآلام (وكان يدعى الأيَّام الفصحيَّة) الذي هو زمن قائم بذاته وفيه يكون الصوم فيه فعل إماتة ومشاركة مع آلام المسيح حتّى بلوغه المجد السعيد، ما عدا يوم الجمعة العظيمة، حيث الصوم هو إلزاميّ إذ هو تكفيريّ. في هذا الأسبوع، تحيي الكنيسة المارونيّة تذكار أشخاص عاشوا الآلام كيوسف الصدّيق وأيّوب ونابوت اليزرعيليّ وتعيد تذكار العشاء الفصحيّ يوم خميس الأسرار ورتبة غسل أرجل التلاميذ. هذا اليوم يسبق يوم الجمعة العظيمة الذي فيه أظهر يسوع سموَّ محبّته الفائقة الوصف بموته على الصليب لفداء البشريّة المتألّمة من جرّاء الخطيئة. هذا اليوم الأخير هو يوم صلاة وصوم وتكفير عن الخطايا التي اقتُرفت بحقِّ دم المسيح.
أمّا يوم السبت فهو سبت النور الذي فيه هبط السيّد المسيح إلى مثوى الأموات وأقام من فيه معه من بين الأموات. هو يوم صوم وتقشّف تستعدُّ فيه الكنيسة لملاقاة الربّ يسوع القائم من الموت.
هذا الأسبوع، في الكنيسة المارونيّة، غنيّ بالرتب الكنسيّة. كما نجد في مدخل الصوم رتبة الرماد يوم الاثنين الأوّل من الصوم، وإن كانت هذه الرتبة دخيلة على الطقس المارونيّ، إلاّ أنّها تحتلُّ مكانًا مرموقًا في بدء الصوم الكبير الأربعينيّ عند عامّة الشعب.
3) الرتب المارونيّة في زمن الصوم والآلام
رتب الكنيسة المارونيّة في زمن الصوم وأسبوع الآلام هي الرتب الأكثر شعبيّة والأكثر اشتراكًا من المؤمنين. وهي في غالبيّتها رتب "شبه أسراريّة" تساعدنا على الولوج أكثر والتعمّق أكثر بسرّ الفداء.
3-1) رتبة الرماد
هي رتبة حديثة في الطقس المارونيّ، نجد أوّل نسخة لها في كتاب الرتب المارونيّة المطبوع في روما سنة 1839. هي مستقاة من الليتورجيّة اللاتينيّة وقد أضيفت إليها الألحان السريانيّة القديمة المعروفة. تركّز على أهمّيّة العودة إلى الذات وفحص الضمير والتذكير بضعف الإنسان إذ إنّه "من التراب وإلى التراب يعود". هو رتبة تكفيريّة تدخل الإنسان في حقل التوبة والصوم الضروريّين للعبور مع المسيح إلى آلامه فمجده فقيامته.
3-2) رتبة الشعانين
ما زال الاحتفال برتبة تبريك أغصان الشعانين وزيّاح الشعانين حيًّا وشعبيًّا في الكنيسة المارونيّة. يكون هذا الاحتفال يوم الأحد في نهاية أسابيع الصوم الستّة، وفي ختام الأسبوع الأخير منها المسمّى أسبوع الشعانين. إنّها تعبير عن الإيمان بملكيّة يسوع المسيح الدائمة على القلوب والعقول.
3-3) رتبة الوصول إلى الميناء
وهي صلاة ضمن صلاة نصف ليل اثنين الآلام. وهي تعبير عن إيماننا بالربّ يسوع مينائنا الأمين الذي وصلناه بعد رحلة صياميّة بحريّة هوجاء. نحطّ في بدء أسبوع الآلام رحالنا ونستريح في ميناء الربّ يسوع، لنؤهّل لعيش الآلام والصليب والموت، فالقيامة معه.
3-4) رتبة القنديل
رتبة صلاة وبركة على الزيت تتألّف من سبع قومات تقام عادة يوم أربعاء الآلام على الساعة الرابعة (العاشرة صباحًا) وهي تعبير عن الزيت والطيب الذي مَسحت به مريم المجدليّة أقدام الربّ يسوع، وبه نمسح ذواتنا توبة عن خطايانا وشفاء لنفوسنا وأجسادنا.
3-5) رتبة تبريك الزيوت
رتبة يحتفل بها البطريرك مع حشد كبير من المطارنة، يبارك خلالها زيوت العماد والميرون والمسحة. تُقام يوم خميس الأسرار على الساعة الثالثة (التاسعة صباحًا) في كنيسة الكرسيّ البطريركيّ، وهي من أهمّ الرتب على الإطلاق، لأنّ فيها تتبارك الزيوت التي بها يتمّ توزيع الأسرار كلّها على المؤمنين.
3-6) رتبة الغسل
عرفت هذه الرتبة تقليدين في الكنيسة المارونيّة. الأوّل وهو الأقدم، يقوم بغسل أرجل المؤمنين الحاضرين في الكنيسة والمشاركين في الرتبة. والثاني وهو المعمول فيه اليوم، يقوم بغسل أرجل اثني عشر شخصًا يمثّلون الرسل الاثني عشر.
تمتاز هذه الرتبة في الطقوس السريانيّة والمارونيّة أنّها رمز وأساس للمعموديّة المقدّسة. تذكّرنا هذه الرتبة بعشاء الربّ الأخير مع تلاميذه في عليّة صهيون ورسم الإفخارستيّا، وهي رتبة التواضع الكبير. تقام على الساعة العاشرة (الرابعة بعد الظهر) من يوم خميس الأسرار، ويصير من بعدها صمد القربان حتَّى منتصف الليل تشبُّهًا بالمسيح الذي صلَّى في بستان الزيتون قبل دخوله الآلام.
3-7) رتبة رسم الكأس
هي رتبة المناولة الاحتفاليّة تقام صباح يوم الجمعة العظيمة قبل البدء بمراسم دفن المسيح المصلوب عند الساعة العاشرة. ولأنّ الربَّ صُلب ومات على الصليب في مثل هذا اليوم، لا يجوز أن تحتفل فيه الكنيسة بالذبيحة الإلهيّة. لذلك يستعاض عنها بـ"رتبة مناولة" تكون الأسرار فيها قد حفظت من يوم خميس الأسرار ولا يتمّ فيها سوى تكريس الخمر ولذا تعرف برتبة "رسم الكأس". كما تعرف بنافور "شرار"، وهو نافور مارونيّ قديم.
3-8) رتبة سجدة الصليب
تحتفل الكنيسة المارونيّة يوم الجمعة العظيمة عند الساعة الرابعة (العاشرة صباحًا) برتبة السجدة وهي تحمل معها معاني الألم والحزن من جهة والأمل والفرح من جهة ثانية. ففي سجدة الصليب، تسجد الكنيسة للمصلوب الحيّ الظافر على الألم والموت بالقيامة المجيدة. فلا فصل بين الجمعة العظيمة وأحد القيامة الكبير. ليس حداد الكنيسة على موت فاديها حدادًا على ميت، بالبكاء والنوح، بل بالصوم والإماتة والصلاة.
3-9) صلاة الغفران
إنّها رتبة مصالحة وتوبة جماعيّة. تحتفل بها الكنيسة المارونيّة يوم سبت النور على الساعة الخامسة (الحادية عشر ظهرًا) لتنتهي على السادسة (نصف النهار) فتعلن قيامة الربّ يسوع. كانت في السابق استعدادًا للموعوظين لتقبُّل سرّ العماد المقدّس في عيد الفصح، وتحضيرًا للتائبين للعودة إلى الله والكنيسة. محور هذه الرتبة هو طلب الغفران من الله والمسامحة بين الإخوة.
4) التطوّر التاريخي للصوم في الكنيسة المارونيّة
سارت الكنيسة المارونيّة مثل باقي الكنائس الشرقيّة بحسب القوانين الرسوليّة الصادرة سنة 380 م والتي كانت تقضي بالصوم الأربعينيّ ما عدا السبوت والآحاد.
ويذكر كتاب الهدى وهو دستور الكنيسة المارونيّة في القرون الوسطى، ما يلي: "ويُمتنع من المأكول والمشروب، من الساعة السادسة من الليل إلى أن تغيب الشمس من نهار ذلك اليوم، ويلوح الظلام من المشرق... ويتمّم ذلك على هذا النظام إلى آخر الصوم، ما خلا السبوت والحدود، فإنّه لا يجب فيها صوم إلى آخر النهار البتّة. ما خلا سبت الفصح."
يتكلّم المجمع اللبنانيّ عن الصوم فيذكر في باب الأعياد والأصوام: "الصوم الأربعينيّ وبدؤه يوم الاثنين التالي أحد مدخل الصوم وختامه يوم السبت السابق أحد القيامة ولا يصام أيّام الآحاد والسبوت إلاّ السبت المقدَّس والأعياد المرسومة من باب الوصيّة الواقعة في أثناء الصوم الأربعينيّ وهي عيد دخول المسيح إلى الهيكل وعيد القدّيس مارون وعيد الأربعين شهيدًا وعيد القدّيس يوسف وعيد بشارة القدّيسة مريم العذراء إلاّ أنّه يحرّم فيها على الإطلاق تناول اللحم والبيض واللبن."
من هنا نجد أنّ الكنيسة المارونيّة تطوّرت في عيشها للصوم الأربعينيّ وكيفيّة ممارسته إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن. فالتفسيحات التي أدخلها البطاركة ومدّة الصوم من نصف الليل لغاية الظهر، أخذت تقلّص الصوم والقطاعة مؤثرة الاهتمام بمساعدة الفقير على الصوم المفرط. لكنّها أيضًا تأثّرت بالكنيسة اللاتينيّة فأضحى بعض أبنائها يصومون أيّام السبوت والآحاد على مثال الكنيسة اللاتينيّة التي كرّست يوم السبت لتكريم العذراء مريم.
تخبرنا "القوانين الرسوليّة" كيفيّة ممارسة الصوم فتقول: "صوموا إمّا خمسة أيّام، وإمّا يومي الأربعاء والجمعة: لأنّه في يوم الأربعاء صدر الحكم على الربّ، وقبض يهوذا ثمن خيانته، وفي يوم الجمعة احتمل الربّ آلام الصلب بأمر بيلاطس البنطيّ. وأقيموا العيد يومي السبت والأحد، لأنّ الأوّل ذكر للخلق والثاني للقيامة. يجب أن تحافظوا على سبت واحد في كلّ سنة، هو السبت الذي كان فيه الربّ في القبر، فصوموا في هذا اليوم ولا تعيّدوا."
تأثّرت الكنيسة المارونيّة بالليتنة التي أدخلت تعديلات كثيرة على الطقس المارونيّ الأصيل، لسنا هنا في باب التحدّث عنها لكنّها مناسبة للفت النظر إلى ضرورة عودة كلّ كنيسة إلى أصالتها ودعوة إلى إظهار وجهها الأصيل.
الخوري أنطوان الدويهيّ
الوكيل البطريركيّ المارونيّ في القدس