كتّاب المحبّة

الصوم، زمن البشارة الصامتة لا الانتصار

الصوم، زمن البشارة الصامتة لا الانتصار

ان هذا المقال مقتبس ومترجم من احدى تأملات، الأب روبرتو بازوليني واعظ القصر الرسولي لزمن الصوم. 

يضع أمامنا رؤية إنجيلية عميقة للبشارة، تُخرجها من منطق الإنجاز والانتصار، لتُعيدها إلى جوهرها الحقيقي: اللقاء. فالإعلان المسيحي، في جوهره، ليس فعل إقناع أو غلبة، بل مسيرة اقتراب متواضع من الإنسان، حيث يُترك المجال لله ليعمل في القلوب بحرية.

ينطلق هذا الفهم من خبرة فرنسيس الأسيزي، الذي لم يرَ في الرسالة مشروع سيطرة، بل دعوة للعيش كـ“أصاغر” في العالم. فالتواضع هنا ليس فضيلة إضافية، بل هو الشرط الذي يجعل البشارة صادقة ومثمرة. حين يتخلى الإنسان عن وهم التفوق، ويقبل أن يلتقي بالآخر من موقع الفقر الداخلي، يصبح قادراً على أن يعكس وجه الله لا أن يحجبه.

إن البشارة، بهذا المعنى، لا تنطلق من الكلمات بل من الحياة. فلا يمكن للإنسان أن ينقل ما لم يتجذّر فيه أولاً. الكلمة التي لا تمرّ في عمق الخبرة الشخصية تبقى سطحية، عاجزة عن لمس القلوب. لذلك يدعو الأب بازوليني إلى صبر روحي: أن نحفظ ما سمعناه في الصلاة، وأن نسمح له أن ينضج في داخلنا، حتى يتحوّل إلى شهادة حيّة، لا إلى خطاب مجرّد.

ويقدّم مثال الأم التي تحمل طفلها في الخفاء قبل أن تلده، ليُظهر أن الإيمان أيضاً يحتاج إلى زمن خفيّ ينمو فيه. فالمسيح لا يُعلن أولاً بالكلام، بل يُستقبل في الداخل، في الصمت والاختيارات اليومية، ثم يظهر تدريجياً في أسلوب الحياة والعلاقة مع الآخرين.

من هنا، تتحوّل البشارة إلى فعل احترام عميق للآخر. لا تُفرض الأجوبة، بل تُوقظ الأسئلة. لا تُختصر المسافات قسراً، بل تُعبر بمحبة، مع الحفاظ على اختلاف الآخر كمساحة يعمل فيها الله. فالمسيحي لا يدخل حياة الآخرين كمن يمتلك الحقيقة كاملة، بل كمن يبحث عنها معهم، مؤمناً أن الله يسبقه إلى قلوبهم.

هذا ما عبّر عنه أيضًا البابا فرنسيس حين أكّد أن الكنيسة لا تنمو بالاقتناص بل بالجذب. فالحضور المسيحي الحقيقي هو الذي لا يخنق حرية الآخر، بل يوقظها، ويُشعره بأن حياته ذات قيمة، وأن في داخله بذور حق وخير وجمال تنتظر أن تنكشف.

وفي هذا السياق، يبرز اللقاء الشهير بين فرنسيس الأسيزي والسلطان الكامل كأيقونة إنجيلية. لم يكن الهدف انتصارًا أو تحويلًا قسريًا، بل لقاء إنساني صادق. وقف القديس أمام الآخر بلا دفاعات، فتعرف السلطان فيه على تواضع المسيح، وانفتح قلبه. لم تحدث معجزة ظاهرة، لكن معجزة أعمق تحققت: اكتشاف متبادل للإنسانية في قلب الصراع.

هكذا تتجلّى البشارة في بعدها الأعمق: ليست دعوة لامتلاك الآخر، بل للوقوف على عتبة حياته باحترام، بانتظار أن يفتح هو الباب. إنها مسيرة عطاء وأخذ في آن، حيث لا نخاف أن نتعلم من الآخر بقدر ما نشهد له.

في النهاية، يكشف هذا المنهج أن الله نفسه هو نموذج البشارة. فهو لم يفرض ذاته على الإنسان، بل اقترب منه بتواضع، وترك له حرية القبول. وعندما يُستقبل هذا الحضور، ينكشف الخير الكامن في القلب، ويظهر المسيح بطريقة خفية ولكن حقيقية.

إنها دعوة لنا في هذا الزمن المقدس: أن نكون شهود لقاء، لا دعاة انتصار؛ أن نحمل الإنجيل كحياة تُعاش، لا كفكرة تُفرض؛ وأن نثق أن الله يعمل بصمت في كل قلب، منتظرًا فقط من يهيّئ له مساحة اللقاء.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم