كتّاب المحبّة

من ظلمة القلب إلى زيت الشفاء

من ظلمة القلب إلى زيت الشفاء

«وكان قد أظلم الليل» (يوحنا ١٣: ٣٠)… و«أأنا هو يا ربّ؟» (متى ٢٦: ٢٢)

في قلب أسبوع الآلام، وعلى عتبة أربعاء القنديل، تفتح الكنيسة أمامنا سرّين متلازمين: ظلمة القلب حين يبتعد، وزيت النعمة حين يقترب الله ليشفي.

الليل في الإنجيل ليس مجرّد زمن، بل حالة داخلية. وكما يقول القديس أوغسطينوس: «ابتعد يهوذا عن النور، فصار هو نفسه ظلامًا». لم يكن الظلام حوله فقط، بل فيه. وهكذا يبدأ كل ابتعاد: خطوة صغيرة، برودة خفيّة، حتى يكتشف الإنسان أنه خرج… ولا يعرف متى أظلم كل شيء.

وفي تلك اللحظة، لم يسأل التلاميذ: “من هو الخائن؟” بل سأل كل واحد بارتجاف:

«أأنا هو يا ربّ؟»

هذا السؤال، كما يعلّم القديس يوحنا الذهبي الفم، هو علامة التواضع الحقيقي، لأن «الخطر ليس في السقوط، بل في أن يظنّ الإنسان نفسه ثابتًا». إنه سؤال يكشف هشاشتنا، لكنه أيضًا يفتح باب الخلاص.

لكن الكنيسة لا تتركنا عند حدود الخوف، بل تقودنا إلى سرّ الشفاء.

في رتبة دهن الزيت المقدّس، ترتفع الصلاة:

«أيها الرب الطبيب الحقيقي لنفوسنا وأجسادنا… أرسل نعمة روحك القدوس على هذا الزيت، ليكون مسحة شفاء وخلاص».

وهنا نتذكّر ما يقوله القديس باسيليوس الكبير: «كما أن الجسد يحتاج إلى دواء، كذلك النفس تحتاج إلى نعمة». فالزيت ليس مجرّد علامة، بل حضور نعمة تلمس جراح القلب.

وفي عمق هذا السرّ، يبرز مثال أيوب، الذي عرف ظلمة الألم، لا كخيانة بل كطريق سرّي إلى الله. وكما تأمّل فيه القديس غريغوريوس الكبير، فإن «جراح أيوب كانت مدرسة للرجاء». لم يُغلق قلبه رغم الألم، بل بقي منفتحًا، فصار ألمه لقاءً.

وهكذا نحن أيضًا، بين يهوذا الذي خرج إلى الليل، وبطرس الذي بكى، وأيوب الذي صبر، نرى طرق القلب.

كم من مرّة دخل الليل إلينا؟

ليس بثلاثين من الفضة، بل بلحظات صمت، بأنانية صغيرة، أو بفتورٍ في المحبة. ومع ذلك، يبقى يسوع قريبًا. وكما يذكّر البابا فرنسيس: «الله لا يتعب أبدًا من الغفران، نحن الذين نتعب من طلب الرحمة».

«أأنا هو يا ربّ؟»

ليست كلمة خوف، بل بداية شفاء.

لأن من يضع ضعفه في النور، يفسح المجال للنعمة أن تعمل فيه.

في أربعاء القنديل، لا نخاف من ظلماتنا، بل نحملها إلى المسيح. فالذي دخل ظلمة الجمعة، هو نفسه الذي فجّر نور القيامة. وكما يقول البابا بندكتس السادس عشر: «نور القيامة لا يلغي الصليب، بل يكشف معناه».

فأي طريق نختار؟

أن نخرج إلى الليل… أم أن نبقى، ونسأل، وننفتح…

لنُمسَح بزيت الشفاء، ونعود إلى النور؟ 


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم