الأخبار
البطريرك الراعي عشيّة عيد مار أوتل: ليحرّر الرب قلوبنا من كل ما يعيقنا عن اتباعه
ترأس غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مساء الأربعاء 26 آب 2026، القداس الإلهي في كفرصغاب عشية عيد القديس أوتل، وألقى عظة بعنوان: «بِع كل ما لك... وتعال اتبعني» (لو 18: 22)، تناول فيها معنى حرية القلب في اتباع المسيح، وسيرة القديس أوتل، قبل أن يتوقف عند الأوضاع الوطنية، مشددًا على أن لبنان يحتاج اليوم إلى وضوح في الأولويات والانتقال من المواقف إلى تحمّل المسؤولية.
وانطلق البطريرك الراعي من لقاء يسوع بالشاب الغني الذي كان يعرف الوصايا ويحفظها منذ صغره، لكنه كان يشعر بأن شيئًا أساسيًا ما زال ينقصه. وأوضح أن يسوع، بعدما أعاده أولًا إلى الوصايا، قاده من ظاهر الالتزام إلى عمق القلب، قائلًا له: «يعوزك أمر واحد: بِعْ كل ما لك ووزّعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السماوات، وتعال اتبعني».
وقال الراعي إن المسألة لم تعد هنا متعلقة بوصايا يعرفها الشاب، بل بحرية قلبه، إذ أراد يسوع أن يبيّن له أن صلاح الإنسان في الظاهر لا يكفي إذا ظل قلبه أسيرًا لما يملكه. وأضاف أن حزن الشاب كشف أن المال لم يكن مجرد شيء بين يديه، بل شيئًا أمسك بقلبه.
وأكد أن يسوع لا يدين المال ولا يجعل الفقر غاية في ذاته، بل يحرر الإنسان من كل ما يمنعه من السير وراءه، مشددًا على أن القضية ليست فقط في مقدار ما نملك، بل في مقدار ما يملكنا حب المسيح.
وقال: «الكلمة الأهم تبقى: تعال اتبعني. فالترك ليس غاية، والتجرد ليس فراغًا، بل طريق إلى حرية أعمق. عندما يخف حمل القلب، يصبح السير وراء المسيح ممكنًا».
ووجّه البطريرك الراعي تحية محبة وتقدير إلى أهالي كفرصغاب، الحاضرين والغائبين والمنتشرين، الذين يحافظون عامًا بعد عام على هذا التقليد الإيماني، كما حيّا جميع القادمين من مناطق أخرى، وشكر الخوري أوتل على كلمة الترحيب التي ألقاها باسم الحاضرين.
وهنّأ أبناء الرعية بعيد القديس أوتل البار، راجيًا أن يكون موسم خير ونعم.
وتوقف الراعي عند سيرة القديس أوتل، مشيرًا إلى أنه عرف المسيح منذ صغره، فترك الوثنية واعتمد وكرّس حياته لله، ولم يتردد في ترك كل شيء من أجل إيمانه.
وأوضح أنه عاش حياة صلاة ونسك، وتتلمذ على يد القديس ملكا القلزمي، ثم عاد ليشهد للمسيح بين أبناء وطنه، واشتهر بإيمانه العميق وصلاته ومعجزاته، فكان سببًا في شفاء كثيرين واهتداء واعتماد آلاف الوثنيين.
وفي أواخر حياته، اختار القديس أوتل البرية مكانًا للصلاة والتنسك، وبقي أمينًا لدعوته حتى رقد بالرب عام 327.
ورأى الراعي أن سيرة القديس أوتل تلتقي مع كلمة الرب يسوع في إنجيل اليوم، إذ عرف كيف يترك ويختار ويضع المسيح قبل كل شيء، معتبرًا أن إيمانه لم يكن فكرة بل قرار حياة، وأن صلاته لم تكن انعزالًا بل قوة دفعته إلى الشهادة والخدمة.
وأضاف أن كفرصغاب، على مثاله، احتضنت عبر تاريخها عائلات مؤمنة وكهنة ورهبانًا وراهبات ورجالات دين ودنيا.
وقال: «في عشية عيد مار أوتل، لا نكتفي بأن نذكر سيرته، بل نطلب شفاعته ونتعلّم منه أن الإيمان الحقيقي ليس كلامًا، بل ثبات في الله، وصلاة، وشهادة للمسيح بالحياة والأعمال»، مضيفًا: «أيها القديس أوتل البار، صلِّ لأجلنا، واحفظ كفرصغاب وأهلها، الحاضرين والغائبين والمنتشرين، في الإيمان والمحبة والسلام».
وعاد البطريرك إلى إنجيل الشاب الغني، موضحًا أن هذا الشاب لم يكن بعيدًا عن الله، بل كان يعرف الوصايا ويحفظها، لكنه اكتشف أمام يسوع أن حفظها وحده لا يكفي إذا بقي القلب أسيرًا لما يملكه.
وأشار إلى أن قول يسوع له «يعوزك أيضًا شيء» يكشف عمق حالته، إذ كان يملك أشياء كثيرة لكنه يفتقد الحرية التي تسمح له بأن يضع الله أولًا.
وأكد أن دعوة المسيح إلى البيع والاتباع تحمل معنى أوسع من البيع المادي، لأنها دعوة إلى ترك كل ما يمنع الإنسان من اتباعه، سواء أكان المال أم الموقع أم المصلحة أم الكبرياء أم الخوف أم التعلق بعادة أو نفوذ.
وأضاف أن كل إنسان قد يملك شيئًا يتحول من نعمة إلى قيد إذا أصبح أقوى من حريته.
وأوضح أن الرجل حزن لأن قلبه لم يكن مستعدًا بعد للخطوة المطلوبة، فهو كان يريد الحياة الأبدية، لكنه لم يكن قادرًا على التخفف مما تعلق به.
ومن هنا، رأى الراعي أن أمثولة الإنجيل ليست في أن نملك أو لا نملك، بل في أن نبقى أحرارًا تجاه ما نملك، فلا يصبح المال سيدًا، ولا الموقع غاية، ولا المصلحة أقوى من الحق.
وأكد أن القديس أوتل عاش هذه الحرية، فترك ما كان يمكن أن يربطه بحياة أخرى واختار المسيح، فصار غناه في إيمانه وصلاته وما أعطاه للآخرين.
وقال: «الخسارة الحقيقية ليست أن يترك الإنسان شيئًا من أجل الله، بل أن يربح أشياء كثيرة ويخسر حرية قلبه».
وانتقل البطريرك الراعي إلى البعد الوطني لعبارة «بِع كل ما لك، وتعال اتبعني»، معتبرًا أن بناء الوطن يحتاج بدوره إلى أن يعرف الإنسان ما الذي ينبغي أن يتخلى عنه من أجل الخير العام، سواء كان مصلحة ضيقة أو امتيازًا شخصيًا أو حسابًا طائفيًا أو مكسبًا حزبيًا يمنع الوصول إلى قرار وطني كبير.
وأكد أن لبنان، في هذه المرحلة، يحتاج قبل أي شيء إلى وضوح في الأولويات والانتقال من المواقف إلى المسؤولية.
وفي الشأن الجنوبي، شدّد الراعي على أن الأولوية تبقى حماية الأهالي ومنع الانزلاق إلى مزيد من التصعيد، لكي يعود الاستقرار إلى القرى والبيوت ويبقى الناس في أرضهم بأمان وكرامة.
وأكد أن المفاوضات يجب أن تثمر نتائج واضحة، وأن تقترن بجدية في التنفيذ والالتزام بما يتم الاتفاق عليه، وقال إن الناس لم تعد تقيس الأمور بكثرة الاجتماعات، بل بما يتحقق فعليًا على الأرض.
وتوقف كذلك عند مسألة السيادة وهيبة المؤسسات، مشددًا على أن المطلوب هو حضور كامل للدولة على مساحة الوطن، وقرار شرعي واضح، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتنفيذ القانون.
وقال إن الهيبة لا تصنعها الشعارات، بل الحضور الفعلي والقرار المسؤول، معتبرًا أن ذلك يقود مباشرة إلى تحمّل المسؤولية.
وأضاف: «لقد آن الأوان للانتقال من تبادل الاتهامات إلى قرارات فعلية تخدم المصلحة الوطنية. فاللبناني لا يحتاج إلى معرفة من يلوم من، بل إلى أن يرى من يتحمل مسؤوليته ويبدأ بالحل».
وأكد أن الإصلاح لم يعد يحتمل مزيدًا من الوعود، وأن المطلوب خطوات جدية تعيد ثقة الناس بالمؤسسات، وتثبت أن الإصلاح ليس عنوانًا يُرفع، بل ممارسة تظهر في القانون والإدارة والمحاسبة.
كما شدّد على أن إعادة الإعمار وعودة الأهالي تبقيان في صلب الأولويات، لافتًا إلى أن المناطق المتضررة ليست مجرد ملف، وأن البيوت ليست أرقامًا، بل وراءها عائلات وذكريات وحياة كاملة.
وقال إن إعادة البناء هي إعادة الإنسان إلى أرضه ومستقبله.
أما الوحدة الوطنية، فاعتبرها الأساس الذي يجمع كل هذه الأولويات، محذرًا من أن يتحول الخلاف إلى خطاب طائفي أو إلى انقسام جديد، ومؤكدًا أن لبنان يحتاج إلى لغة وطنية جامعة وإلى التقاء اللبنانيين حول ما يحمي وطنهم، لا حول ما يفرّقهم.
وختم البطريرك الراعي عظته بالصلاة قائلًا: «يا رب، حرّر قلوبنا من كل ما يعيقنا عن اتباعك، واجعلنا أمناء في إيماننا ومسؤولياتنا. وبشفاعة القديس أوتل البار، احفظ كفرصغاب وأهلها، وبارك لبنان، وثبته في الإيمان والوحدة والسلام. علّمنا أن نترك ما يقيّدنا ونتبعك، فنرفع إليك كل مجد وشكر، الآن وإلى الأبد، آمين».