الأخبار

المحليّات

الحويّك يعود إلى حلتا طوباويًا

الحويّك يعود إلى حلتا طوباويًا

في أمسية حملت ذاكرة الأرض وفرح الكنيسة ووجدان الوطن، استعادت بلدة حلتا، مسقط رأس الطوباوي البطريرك إلياس بطرس الحويّك، مساء السبت 12 أيلول 2026، سيرة ابنها الذي تجاوز بقداسته وخدمته حدود بلدته ليصبح رجلًا للكنيسة ولبنان، في احتفال ترأسه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بدعوة من راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله.

وانطلق موكب البطريرك الراعي من الصرح البطريركي الصيفي في الديمان، يرافقه أمين السر العام في البطريركية المارونية الأب فادي تابت المرسل اللبناني وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل، متوجهًا إلى حلتا، حيث كان في استقباله أصحاب السيادة والرسميون والكهنة وأبناء البلدة والمنطقة وجموع المؤمنين.

وفي ساحة البلدة، حظي الراعي باستقبال رسمي وشعبي، تقدمه المطران منير خيرالله، والمطران إدوار ضاهر، ووزير الدفاع ميشال منسى، والنائبان غياث يزبك وجبران باسيل، إلى جانب نواب سابقين وعدد من الفاعليات السياسية والروحية، ورؤساء بلديات ومخاتير، وكهنة الأبرشية، ورهبان وراهبات العائلة المقدسة، والشيخ رضا أحمد، مفتي جبيل للطائفة الشيعية.

وعلى أنغام موسيقى حدث الجبة، توجّه البطريرك في موكب إلى كنيسة مار يوسف الرعائية، حيث ترأس عند الساعة السادسة مساءً القداس الإلهي، في أجواء أعادت إلى حلتا ذاكرة ابنها الطوباوي وربطت بين قرية صغيرة في جغرافية لبنان ورجل كبير في تاريخه.

وفي مستهل الاحتفال، ألقى المطران منير خيرالله كلمة ترحيبية عبّر فيها عن فرح أبرشية البترون وبلدة حلتا باستقبال البطريرك الراعي في مسقط رأس الطوباوي إلياس بطرس الحويّك، مستعيدًا ما مثّله الحويّك في حياة الكنيسة والوطن.

وأكد أن إعلانه طوباويًا يجعل من سيرته دعوة متجددة إلى استعادة روح الإيمان والخدمة والتجرد والمحبة التي طبعت حياته.

بدوره، عبّر خادم الرعية الخوري زياد إسحق عن فرحة أبناء حلتا بابن بلدتهم الذي خرج منها ليخدم الكنيسة والوطن، فعاد اسمه إليها اليوم محمولًا على مذابحها طوباويًا، شاكرًا البطريرك الراعي وجميع الذين شاركوا البلدة هذه المناسبة التاريخية.

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة تمحورت حول شخصية الطوباوي البطريرك إلياس بطرس الحويّك، متوقفًا بصورة خاصة عند البعد الوطني في حياته، والدور الذي اضطلع به في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، حين لم تكن مسؤولية الراعي بالنسبة إليه منفصلة عن مسؤولية الدفاع عن الإنسان والأرض والوطن.

فالحويّك لم يكن رجل كنيسة منغلقًا داخل حدود المؤسسة الكنسية، بل بطريركًا حمل هموم شعبه إلى المحافل الدولية، وجعل من موقعه الروحي مسؤولية وطنية، مدركًا أن الكنيسة لا تستطيع أن تقف على هامش آلام الناس، وأن الراعي لا يمكنه أن يبقى بعيدًا عندما يصبح مصير شعبه ووطنه على المحك.

وبرز في العظة مفهوم لبنان الذي ناضل من أجله الحويّك: وطنًا لجميع أبنائه، لا مشروعًا لفئة، ولا ملكًا لطائفة، ولا مساحة لغلبة جماعة على أخرى.

فلبنان بالنسبة إليه لم يكن مجرد حدود جغرافية يُراد رسمها، بل وطنًا للحرية والعيش المشترك والكرامة الإنسانية. ومن هنا، لم يكن دفاعه عنه دفاعًا عن امتيازات خاصة، بل عن صيغة وطنية يكون فيها اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، شركاء في دولة واحدة.

وهكذا أخذ مشروعه الوطني معناه الأعمق: لبنان دولة لا ساحة، ووطنًا لا مجموعة أوطان، ومؤسسات لا مناطق نفوذ، وشراكة لا غلبة.

واستعاد الراعي الدور التاريخي الذي أداه الطوباوي الحويّك في الدفاع عن القضية اللبنانية، ولا سيما حين حمل مطالب اللبنانيين إلى مؤتمر الصلح في باريس، واضعًا أمام المجتمع الدولي قضية وطن كان يسعى إلى تثبيت وجوده واستقلاله وحدوده.

ولم يذهب الحويّك طلبًا لمجد شخصي أو مكسب كنسي، بل حاملًا شعبًا أنهكته الحرب والمجاعة، وأرضًا دفعت ثمن التحولات الكبرى في المنطقة، وإرادة وطنية تريد أن يكون للبنانيين وطن حر يعيشون فيه بكرامة.

ومن هنا، تتجاوز سيرته صفحات التاريخ لتطرح سؤالًا على لبنان اليوم: هل يستطيع المسؤول أن يحمل وطنه كما حمله الحويّك، فيضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية والفئوية، ويجعل بقاء الدولة أقوى من بقاء المواقع؟

ومن سيرة الطوباوي، انفتحت العظة على واقع لبنان والحاجة الملحة إلى استعادة الدولة ومؤسساتها ودورها، إذ لا يستقيم الوطن حين تتعدد فيه مرجعيات القرار، ولا يستطيع النهوض إذا أصبحت المصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة أو تحولت الدولة إلى مجرد اسم فيما القرار موزع خارج مؤسساتها.

فالدولة ليست فريقًا في مواجهة فريق، بل البيت الذي يحمي الجميع، وليست ملكًا للسلطة أو للطبقة السياسية، بل الإطار الدستوري والقانوني الذي يضمن المساواة والحرية والحقوق لجميع المواطنين.

ومن هنا، تصبح العودة إلى الحويّك استعادة لمفهوم الدولة نفسها: دولة واحدة، بقرار واحد، ومؤسسات قادرة، وقانون يسري على الجميع، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات.

كما برز التشديد على أن لبنان لا يمكن أن يُحكم بمنطق الغلبة، لأنه نشأ على التعدد والشراكة، وأي محاولة لإلغاء أحد مكوناته أو الاستقواء عليه تضرب جوهر الصيغة اللبنانية.

فقوة لبنان ليست في أن تكون طائفة أقوى من أخرى، ولا في أن ينتصر فريق على فريق، بل في أن تكون الدولة أقوى من الجميع بعدلها وقانونها ومؤسساتها. وعندما تصبح قوة الجماعات بديلًا من قوة الدولة، يخسر الجميع.

ومن هنا، فإن الوفاء للحويّك لا يكون باستعادة اسمه فقط، بل باستعادة لبنان الذي عمل من أجله: لبنان الدولة والسيادة والحرية والشراكة والعيش معًا.

وحملت سيرة الحويّك في العظة رسالة إلى الواقع اللبناني الراهن، مفادها أن لبنان يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن الموقع ليس ملكًا شخصيًا، وأن السلطة ليست امتيازًا، وأن المسؤولية العامة ليست وسيلة لتثبيت النفوذ.

فرجل الدولة يسأل ماذا يستطيع أن يعطي وطنه، لا ماذا يستطيع أن يأخذ منه؛ ويفكر بمستقبل الأجيال لا بمستقبل موقعه؛ ويحمي المؤسسات حتى عندما لا تكون في خدمته، لأنه يعرف أن الدولة تبقى فيما الأشخاص يرحلون.

وهذا ما يجعل الحويّك أكبر من المرحلة التي عاش فيها. فقد تبدلت الظروف السياسية والأنظمة وسقطت إمبراطوريات، لكن بقي الرجل الذي وضع نفسه في خدمة قضية أكبر منه.

وتحمل تجربته أيضًا معنى السيادة بوصفها شرطًا لقيام الدولة، لا شعارًا للاستهلاك السياسي، بل قدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار على أرضها، وتحمي حدودها ومؤسساتها وشعبها، وتتحدث باسم جميع اللبنانيين.

ولا يمكن لوطن أن يعيش طويلًا إذا كان قراره موزعًا أو إذا كان أبناؤه ينتظرون الخارج ليقرر عنهم، فالدول تُبنى بإرادة أبنائها وبقدرتهم على تقديم المصلحة الوطنية على كل ارتباط آخر، وبإيمانهم بأن لا خلاص لطائفة خارج خلاص لبنان، ولا ضمانة لجماعة خارج ضمانة الدولة.

وفي البعد الروحي، أظهر الراعي أن قداسة الحويّك لم تكن منفصلة عن التزامه الوطني والاجتماعي، فالقداسة المسيحية ليست هروبًا من الأرض، بل طريقة جديدة للسكن فيها؛ وليست ابتعادًا عن الإنسان، بل اقترابًا أكبر من جراحه وحاجاته.

وقد عاش الحويّك إيمانه في خدمة الإنسان، فكان قريبًا من الفقراء والمتألمين والجائعين، وعرف أن محبة الله لا تنفصل عن محبة الإنسان. وفي شخصيته التقت الصلاة بالعمل، والروحانية بالمسؤولية، والكنيسة بالوطن.

والطوباوي لا يُعطى للكنيسة ليبقى صورة على مذبح، بل ليصبح طريقًا. ومن هنا، يشكل إعلان الحويّك طوباويًا دعوة إلى اللبنانيين، ولا سيما المسؤولين، ليدركوا أن عظمة الإنسان ليست في مقدار السلطة التي يمتلكها، بل في مقدار ذاته التي يستطيع أن يبذلها.

وفي حلتا، حيث بدأت قصة إلياس بطرس الحويّك، أعاد الاحتفال الرجل إلى بدايته الأولى. فمن هذه البلدة الصغيرة خرج طفل لم يكن يعرف إلى أين ستقوده العناية، فإذا به يصبح بطريركًا، ويحمل قضية شعب، ويسهم في ولادة وطن، ثم يعود بعد عقود طويلة إلى أرضه طوباويًا.

وهكذا أصبحت حلتا في هذه المناسبة أكثر من مسقط رأس، لتكون شاهدًا على أن قيمة الأرض ليست بمساحتها، بل بما تنجبه من قامات، وأن القرية الصغيرة تستطيع دخول التاريخ عندما يخرج منها إنسان يجعل حياته أكبر من ذاته.

وخلال القداس، قُدمت أربعة تقادم ترمز إلى بلدة حلتا وذاكرتها وإيمانها: العنب والخمر، والقمح والخبز، وتراب حلتا وعَلَمها، وأيقونة مار يوسف والعذراء مريم.

وعقب القداس، توجّه البطريرك الراعي باللباس الحبري إلى القاعة، حيث أزاح الستارة عن بلاطة رخامية تذكارية ورشّ القاعة بالمياه المباركة، قبل أن يعود إلى الكنيسة لتبديل الثياب البيعية.

واختُتمت المناسبة بلقاء في الصالون وقطع قالب الحلوى، وسط أبناء البلدة والمشاركين الذين احتفلوا بالطوباوي الذي خرج من حلتا، لكنه حمل في قلبه لبنان كله.

المصدر: صوت المحبّة