الأخبار
المجمع الأنطاكي في ختام دورته: احملوا أثقال بعضكم... ورجاؤنا في المسيح القائم
وجّه آباء المجمع الأنطاكي المقدّس، في ختام الدورة المجمعية السادسة عشرة، رسالة إلى أبناء الكنيسة الأنطاكية في الوطن وبلاد الانتشار، دعوا فيها إلى الثبات في الإيمان والرجاء، وحمل أثقال بعضهم بعضًا، ومواصلة خدمة الإنسان بروح الحكمة والوداعة والمحبة، وسط ما يواجهه المؤمنون من اضطهاد وظلم وحرب وضيق وهجرة وغربة وتحديات يومية.
وجاءت الرسالة، الصادرة من البلمند يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، تحت عنوان «حكمة الإنجيل ورجاء القيامة: رسالة إلى أبناء الكنيسة الأنطاكية»، مستندة إلى قول المسيح: «كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام»، وقول الرسول بولس: «إن كنّا نتألّم معه، فلكي نتمجّد أيضًا معه».
وتوجّه آباء المجمع إلى الإكليروس والرهبان والراهبات وجميع المؤمنين والمؤمنات بكلمات تعزية ورجاء، معربين عن تقديرهم وامتنانهم لإيمانهم وشجاعتهم وجهادهم اليومي في مواجهة أعباء الحياة، وسعيهم إلى الأمانة للمسيح ولعائلاتهم وللأشخاص الذين ائتمنهم الله عليهم.
وأشاروا إلى أن هذه الأمانة تتجلى في الذين يثابرون على عملهم رغم الصعوبات، وفي الأهل الذين يحملون هموم أبنائهم، والشباب الذين يسعون إلى بناء مستقبل كريم، والذين يتمسكون بأرضهم حيث يستطيعون، وكذلك الذين اضطروا إلى الرحيل وبدء حياة جديدة، وكل من يجدّد يومًا بعد يوم اختياره للمحبة والإيمان والرجاء.
وعبّر المجمع عن تقديره لجميع الذين ينهضون بخدمة الرعاية في الرعايا والأبرشيات، من الإكليروس وأعضاء المجالس واللجان الرعائية والحركات الشبابية وفرق السيدات، إلى المتطوعين والعاملين في مجالات الخدمة الاجتماعية والصحة والتربية والتعليم والتنشئة.
ورأى أن ما يقدمه هؤلاء من وقت وجهد واهتمام وتضحية، كل بحسب دعوته وإمكاناته، يشهد على محبة حية للكنيسة وأبنائها ولكل قريب، ولا سيما في ظل تضاعف الحاجات وضيق الموارد وتزايد الأعباء وتنوع الجراح.
وفي المقابل، أقرّ آباء المجمع بأن هذه الخدمة، رغم ما فيها من أمانة وبذل، لا تستطيع دائمًا الاستجابة لكل الحاجات، وأن التقصير قد يقع هنا أو هناك، فيما تبقى بعض الآلام من دون علاج كافٍ وبعض الأصوات من دون من يسمعها في الوقت المناسب.
وشددوا على أن الاعتراف بذلك لا ينتقص من الذين يخدمون، بل يشكل دعوة إلى مزيد من التواضع والتعاون والمراجعة، وإلى تحمّل المسؤولية المشتركة عما يمكن إصلاحه، من دون إثقال كاهل العاملين بأحكام لا تراعي حدود طاقتهم وإمكاناتهم.
وشبّه المجمع الرعاية في الظروف الراهنة بعمل الطبيب الذي يواجه أمراضًا مزمنة تحتاج إلى متابعة وصبر ومرافقة طويلة، إلى جانب حالات طارئة تستدعي التدخل السريع وحسن التقدير، فيسعى إلى التمييز بين الحاجات واستخدام ما يتوافر له من معرفة وإمكانات وموارد وترتيب الأولويات بحسب شدة الألم وإلحاح الحاجة، مع إدراك محدودية قدرته أمام ما يواجهه.
وأكد أن الكنيسة مدعوة، على هذا المثال، إلى الرعاية ومواصلة السعي من دون ادعاء الكمال، متكلة على النعمة الإلهية والمحبة المتضامنة بين أعضاء الجسد الواحد.
ولفتت الرسالة إلى أن الكنيسة ليست الرعاة وحدهم، كما أنها ليست مجموعة أفراد يعيش كل منهم إيمانه منفردًا، بل هي جماعة المؤمنين جميعًا، يجمعهم المسيح ويدعوهم إلى أن يكونوا إخوة بعضهم لبعض وأعضاء في جسد واحد.
واستشهد المجمع بقول الرسول بولس: «احملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا تمّموا ناموس المسيح»، معتبرًا أن في هذه الدعوة أساس الرعاية وشكلها، بحيث يشارك كل إنسان بما يستطيع، وتتحول المحبة إلى إصغاء ومرافقة ومساعدة، فيجد المتعب من يسنده، كما يجد الذي يخدم من يسانده، فلا يُترك المحتاج وحده ولا الخادم أمام ما يفوق طاقته.
وفي ضوء قول المسيح: «كونوا حكماء كالحيات وودعاء كالحمام»، رأى آباء المجمع أن المؤمنين مدعوون إلى حكمة تحفظ الإيمان وتميّز بين الأولويات، ووداعة تحفظ كرامة الإنسان، وشجاعة تواجه الواقع من دون إنكار صعوباته أو الاستسلام لها.
كما دعوا إلى التعلم من الذين يحملون نير المسيح بأمانة ويخففون أثقال الآخرين بصمت، من دون أن ينسوا أنهم هم أنفسهم يحتاجون إلى الراحة والتعزية، مذكرين بأن المسيح لا يعد بحياة خالية من الأعباء، بل يقول: «احملوا نيري عليكم... فتجدوا راحة لنفوسكم».
وأكدت الرسالة أن جهاد الأمانة في حياة المؤمنين وفي خدمة الرعاة والمتطوعين ليس بلا ثمر، مستشهدة بقول الرسول: «إن كنّا نتألّم معه، فلكي نتمجّد أيضًا معه».
وشددت على أن الألم ليس غاية في ذاته، ولا الظلم أمرًا ينبغي القبول به، إلا أن المحبة التي تثابر، والخدمة التي تبذل ذاتها، والأمانة التي تصمد في التجارب، تجد معناها في المسيح القائم من بين الأموات، الذي لا يترك تعب المحبة يضيع.
وتوقفت الرسالة عند معنى أنطاكية في تاريخها وحاضرها، معتبرة أنها، قبل كل شيء، «رهان جماعة على يسوع المسيح وحده»، وأمانة لكلمته ووصيته وشهادة له في كل الظروف.
وذكّر المجمع بأنه منذ أن دُعي التلاميذ مسيحيين في أنطاكية، لم تكن قوة الكنيسة في امتلاك الضمانات، بل في الثبات في الإيمان وعيش المحبة والشهادة للمسيح وسط تقلبات التاريخ.
وأكد أن الدعوة اليوم، في الاضطهاد والظلم والحرب والضيق، كما في الهجرة والغربة وتحديات الحياة اليومية، تبقى التمسك بالرب، وحمل بعضهم أثقال بعض، ومواصلة خدمة الإنسان بقدر ما أُعطي لكل فرد من نعمة وحكمة وإمكانات.
كما شدد على أن كنيسة أنطاكية ليست وحدها، وليست مدعوة إلى الانغلاق على جراحها أو العيش أسيرة ماضيها، بل إلى أن تكون، حيثما حل أبناؤها، «ملحًا» يملّح وجودهم بنعمة الشهادة لإيمانهم، استنادًا إلى قول الرب: «أنتم ملح الأرض».
ودعا إلى أن تكون الكنيسة حضورًا يحفظ كرامة الإنسان، ويمنح الرجاء للمتعبين، ويصنع فسحة للمحبة والمصالحة، ويشهد بأن الإيمان ليس هروبًا من العالم، بل أمانة للمسيح في قلبه.
وأكد آباء المجمع أنه مهما تبدلت الظروف وتباعدت البلدان، تبقى أنطاكية جماعة واحدة، لا لأن أبناءها لا يتألمون أو لا يتعثرون، بل لأنهم يجدّدون معًا رهانهم على المسيح، ويتوبون إليه، ويجدون فيه قوتهم وراحتهم ورجاءهم.
وفي ختام الرسالة، رفع آباء المجمع الصلاة كي يثبت الرب أبناء الكنيسة في كلمته، ويعلمهم حمل أثقال بعضهم بعضًا، ويجعل شهادتهم له صادقة في المحبة، ثابتة في المحن، ومثمرة في خدمة الإنسان، ويحفظ كنيسته في الإيمان والرجاء والمحبة.