الأخبار
البابا لأساقفة إسبانيا: قوّة الكنيسة من قداسة أبنائها
شدّد قداسة البابا لاوُن الرابع عشر على أن قوّة الكنيسة لا تأتي من عظمة مواردها، بل من قداسة أبنائها، ومن شركة رعاتها، ومن الأمانة المتواضعة والثابتة للذين يتركون أنفسهم لقيادة الروح القدس.
جاء ذلك خلال لقائه أساقفة إسبانيا في مقر مؤتمر الأساقفة الإسبان في مدريد، حيث شجعهم على مواصلة رسالتهم الراعوية وسط التحديات، مؤكدًا أن خدمتهم تدعوهم إلى صون الوحدة، وتعزيز الحوار، وشفاء الانقسامات، ومرافقة مسيرة الشعب الموكول إلى رعايتهم.
وذكّر البابا بأن الرب هو الذي يقود الكنيسة والتاريخ، وأن المؤمنين يسيرون خلفه ومعه كأعضاء في جسد واحد. ومن هذا المنطلق، دعا الكنيسة، في زمن تتزايد فيه الانقسامات والاستقطابات، إلى تقديم شهادة وحدة في التنوع، بحيث تتكامل المواهب والحساسيات المختلفة لتُظهر جمال المسيح الواحد في فسيفساء الكنيسة الحية.
وأكد أن خدمة الأسقف تكتسب في هذا الإطار أهمية خاصة، إذ يُدعى إلى أن يكون علامة منظورة للشركة، أولًا مع المسيح، من خلال حفظ الإيمان الذي تسلّمته الكنيسة، بطاعة لكلمة الله وللتقليد الحي، وثانيًا في الشركة مع خليفة بطرس والكنيسة الجامعة، ومع الكهنة والجماعة الأبرشية والحياة المكرسة والحركات والجمعيات وكل موهبة أصيلة يمنحها الروح القدس من أجل الخير العام.
وأشار البابا إلى أن الشركة الكنسية، عندما تُعاش بعمق، تولّد حيوية رسولية، لأن الكنيسة التي تعيش سلامًا داخليًا تستطيع أن تخاطب بحرية أكبر سائر الكنائس والجماعات المسيحية، وأتباع الديانات الأخرى، وغير المؤمنين، والسلطات المدنية، وجميع أصحاب الإرادة الصالحة العاملين من أجل الخير العام.
كما دعا الأساقفة إلى البقاء قريبين من الشباب والإكليريكيين والمهاجرين، وإلى مرافقة شعبهم بمحبة وثبات، مستحضرًا وصف القديس يوحنا بولس الثاني لإسبانيا بأنها «أرض مريم».
وأوكل البابا خدمة الأساقفة إلى العذراء مريم، أم الشركة والرجاء، معتبرًا أنها الرفيقة الأولى في المسيرة والكنز الأكبر للرعاة، لأنها تعلّم المؤمنين كيف يقبلون كلمة الله ويحفظونها في قلوبهم، وكيف يرافقون التلاميذ في مسيرتهم ويبقون حاضرين في درب الكنيسة.
وتوقف الأب الأقدس عند الذكرى المئوية الخامسة للرسامة الكهنوتية للقديس يوحنا الأفيلي، شفيع الإكليروس الإسباني، مستعيدًا وصف القديس بولس السادس له بأنه معلم حكيم للحياة الروحية ومجدد للحياة الكنسية والعادات المسيحية، وفي الوقت نفسه «كاهن بسيط».
وقال إن هذا القديس يذكّر الأساقفة بأقرب رفاقهم في الطريق، أي الكهنة البسطاء، بالمعنى الأسمى والأكثر تطلبًا للكلمة: كهنة مولعون بالمسيح، متجذرون في الصلاة، أمناء للكنيسة، قريبون من الناس، وقادرون على الجمع بين التعليم السليم والغيرة الرسولية والمحبة الراعوية.
وشدد البابا على أن الكهنة يجب أن يجدوا في أسقفهم لا سلطة معترفًا بها فحسب، بل أبًا يرافقهم، وأن يجدوا في إخوتهم الكهنة رفاقًا يتقاسمون معهم أتعاب وأفراح الحجّ الراعوي في البحث الدائم عن المسيح.
وفي ختام كلمته، استعاد البابا صلاة منسوبة إلى القديس يوحنا الأفيلي: «إن كنت تأمرني يا رب أن أفعل ما فعلت، فأعطني قلبك»، داعيًا الأساقفة إلى أن يجعلوا من هذه الصلاة طلبهم الدائم، لكي يمنحهم الرب قلبًا قادرًا على رفع النظر إليه، والانطلاق في الطريق، والإصغاء، والتمييز، والخدمة، والتقويم بالمحبة، والصبر في المرافقة، وإعلان الإنجيل بفرح.
وختم البابا مؤكدًا أن الكنيسة التي تنال قلب المسيح تحمل في ذاتها عمود النار الذي يرشدها ويسندها ويحميها ويعزيها، ويمنحها الزاد اللازم لمواجهة كل تحدٍّ.