الأخبار
البابا: المحبة لغة تجعل الجميع يشعرون بأنهم في بيوتهم
التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر، مساء يوم الإثنين، الجماعة الأبرشية في مدريد خلال لقاء رعوي حاشد احتضنه ملعب "سانتياغو برنابيو"، في إطار زيارته الرسولية إلى إسبانيا، مؤكداً أن الفرح المسيحي هو "الجواب الجماعي المشترك على عمل الله في يسوع المسيح"، وداعياً المؤمنين إلى أن يكونوا شهوداً للإنجيل في قلب المجتمع المعاصر.
وفي كلمته، وصف الأب الأقدس اللقاء بأنه "نشيد إيمان كبير"، معرباً عن سعادته بالانضمام إلى أصوات المؤمنين لتسبيح الله وتعزيز أواصر العائلة الكنسية. وأشار إلى أن الكنيسة مدعوة إلى عيش "الوحدة في التنوع"، على غرار التعددية النغمية التي تتناغم فيها الأصوات المختلفة لتشكّل لحناً واحداً.
وشكر البابا رئيس أساقفة مدريد الكاردينال خوسيه كوبو كانو على كلمته الترحيبية، مؤكداً أن بناء الجماعة لا يقوم على الأرقام والإحصاءات وحدها، بل يحتاج إلى قلوب قادرة على تفسير الأحداث والاحتفال بمعانيها العميقة مع الآخرين، مشيراً إلى أن الليتورجيا تبقى التعبير الأسمى عن هذا الفرح الجماعي الذي يولده عمل الله الخلاصي في التاريخ.
وأوضح أن الفرح المسيحي ليس شعوراً عابراً، بل أسلوب حياة متجذر في اللقاء بالمسيح القائم من بين الأموات، مضيفاً أن محبة المسيح تجمع المؤمنين وتحفظهم معاً وتدفعهم إلى المبادرة والعمل المشترك من أجل الخير العام.
وأكد البابا أن المعمودية تغيّر حياة الإنسان فعلاً، إذ تجعل المواهب والخبرات الشخصية في خدمة الجماعة، وتحوّل التنوع إلى غنى روحي ورسولي. ولفت إلى أن الشركة الحقيقية لا تعني التماثل أو إلغاء الاختلافات، بل العيش المشترك في إطار وحدة يغذيها الإنجيل.
واستعاد في هذا السياق ما أورده في رسالته العامة "الإنسانية الرائعة"، مستشهداً بشخصية نحميا الذي أشرك الشعب كله في إعادة بناء أسوار أورشليم، معتبراً أن إعادة البناء اليوم تعني تحويل تعددية الأصوات والرؤى إلى فرصة للحوار والتعاون، وجعل الإصغاء المتبادل أرضية تنمو عليها العدالة والأخوّة.
وأشار الأب الأقدس إلى العلاقة الخاصة بين الكنيسة والمدينة، ولا سيما في زمن التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة، متسائلاً عمّا إذا كانت الرسالة المسيحية تصل فعلاً إلى الأماكن التي تتشكل فيها الروايات والنماذج الجديدة للمجتمع. وشدد على أهمية البحث المشترك عن الحقيقة والانفتاح على الحوار العميق لفهم التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر.
ودعا المؤمنين إلى عدم الانغلاق داخل المجموعات التي تمنحهم الشعور بالأمان، بل إلى الانطلاق نحو قلب المجتمع، مؤكداً أن الحقيقة أوسع من أي رؤية فردية، وأن اللقاء بالمسيح القائم يبقى الشرط الأساسي لكل بشارة حقيقية.
وتوقف عند واقع مدريد كمدينة كبرى تتعايش فيها ثقافات وتجارب متعددة، مؤكداً أن الله يعرف كل إنسان ويحب الجميع ويريد خلاصهم. وقال إن حضور الكنيسة في المدن الكبرى يشكل علامة حيّة لسر الخلاص، مشيراً إلى أن المدن كانت منذ فجر المسيحية المكان الذي نمت فيه الكنيسة وانتشرت رسالتها.
وأضاف: "لا يضطرب قلبكم ولا يخف"، داعياً أبناء الأبرشية إلى مواصلة الشهادة للإنجيل الذي يحرر الإنسان ويمنحه الرجاء، وإلى الاستعداد لاستقبال البدايات الجديدة باعتبارها جزءاً أساسياً من الرسالة الكنسية.
كما شدد على أهمية المجالس الرعوية والأبرشية كمساحات للتمييز والإصغاء المتبادل، محذراً من اختزالها في إجراءات إدارية أو بيروقراطية، لأنها تشكل أدوات أساسية لاكتشاف ما يطلبه الروح القدس من الكنيسة اليوم.
ووجّه البابا دعوة خاصة إلى الكهنة للاعتراف بقيمة التمييز الجماعي كإحدى أبرز ثمار المسيرة السينودسية، مؤكداً أن قراءة واقع الأحياء والتحولات الثقافية والاجتماعية على ضوء الإنجيل تغني الخدمة الرعوية وتعززها.
وفي ختام كلمته، استعاد الأب الأقدس شهادات عدد من المشاركين الذين عبّروا عن محبتهم للكنيسة واختبارهم لفرح الخدمة والعطاء داخل الجماعة، معتبراً أن هذه الشهادات تجسد الوجه الحقيقي للكنيسة التي تفتح ذراعيها للجميع.
وقال: "كونوا للجميع بمثابة كتاب مقدس مفتوح، لكي يلتقي الآخرون بكلمة الله على وجوهكم وفي حياتكم"، مؤكداً أن المحبة تبقى اللغة الوحيدة القادرة على أن تجعل كل إنسان يشعر بأنه في بيته، وأن فرح الإنجيل قادر على تبديد الخوف وفتح أبواب الرجاء أمام الجميع.