الأخبار
صدور رسالة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي العاشر للفقراء
صدرت، اليوم الأحد، رسالة قداسة البابا لاوُن الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي العاشر للفقراء، الذي تحتفل به الكنيسة في الأحد الثالث والثلاثين من الزمن العادي، والموافق هذا العام 15 تشرين الثاني 2026، تحت عنوان: "الربّ مُعتَصم الفقير"، المستوحى من المزمور الرابع عشر، في تأكيد جديد على مركزية الفقراء في حياة الكنيسة ورسالتها.
في مستهل رسالته، أوضح الحبر الأعظم أن العودة إلى كلمة الله تكشف المعيار الحقيقي للحياة المسيحية، حيث لا يُنظر إلى الفقر على أنه حالة اجتماعية فحسب، بل كواقع إنساني وروحي يكشف هشاشة الإنسان وحاجته إلى الله. وأشار إلى أن المزمور يفضح التناقض بين الذين يعيشون انطلاقاً من حضور الله والذين يتصرفون وكأنه غير موجود، محذراً من أن إقصاء الله عن الحياة يقود إلى انتشار الظلم والفساد وتقويض العدالة الاجتماعية.
وأكد البابا أن الفقراء هم أول المتضررين من هذا الواقع، إذ يتزايد عددهم في العديد من المجتمعات نتيجة أنظمة اقتصادية واجتماعية قائمة على التسلط والإقصاء. ولفت إلى أن غياب الحس الإنساني والروحي يحوّل العلاقات بين البشر إلى علاقات هيمنة بدلاً من التضامن، ما يؤدي إلى تهميش الإنسان وإهانته، بل إلى تهميش شعوب بأكملها.
وتوقف الأب الأقدس عند التحديات المعاصرة، مشيراً إلى أن صرخة الفقراء كثيراً ما تُخنق في ظل التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة، التي قد تسهم أحياناً في تهميشهم بدلاً من إيصال صوتهم. كما حذر من أن البيئة الرقمية قد تعزز الصور النمطية وتعمّق اللامبالاة تجاه معاناة المحتاجين، مؤكداً في المقابل أن الفقراء لا يفقدون رجاءهم، بل يجدون في الله الملجأ الحقيقي الذي يمنحهم الكرامة والعزاء والرجاء.
وشدد البابا لاوُن الرابع عشر على أن الله ليس فكرة مجردة أو وعداً بعيداً، بل هو حاضر في شخص يسوع المسيح الذي تجسّد ليكون قريباً من الفقراء والمتألمين. واستشهد بكلام الرب: «تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم»، موضحاً أن المسيح لم يكتفِ بتقديم التعزية الروحية، بل شارك الإنسان فقره حتى الصليب، فصار الملجأ الحقيقي لكل متألم ومحتاج.
وأكد أن الكنيسة مدعوة بدورها إلى أن تكون امتداداً لهذا الحضور الإلهي، وأن تتحول إلى «ملجأ للفقراء»، محذراً من خطر الانغلاق أو اللامبالاة تجاه معاناتهم. وأوضح أن الكنيسة الأصيلة هي التي تعيش روح التطويبات، وتفتح أبوابها للصغار والمهمشين، وتضع الفقراء في قلب رسالتها لا على هامشها.
كما استند البابا إلى تعليم القديس أغسطينوس في تأمله بمثل الغني ولعازر، مؤكداً أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالغنى أو الفقر المادي، بل بعلاقته بالله. واستحضر كذلك الإرشاد الرسولي **«لقد أحببتك»**، مشدداً على أن محبة الله تتوجه بصورة خاصة إلى الفقراء، وأن الكنيسة مدعوة إلى السير معهم وأن تكون بيتاً يتسع للجميع.
وفي سياق تأمله الروحي، طرح الأب الأقدس أسئلة موجّهة إلى ضمير المؤمنين: هل نحن علامة لحضور الله كملجأ للفقراء؟ هل نعيش تضامناً حقيقياً مع المحتاجين؟ وهل نصغي إلى صرخاتهم ونتقاسم آمالهم؟ معتبراً أن هذه الأسئلة تشكل دعوة صريحة إلى مراجعة الذات وتجديد الالتزام بالعدالة والمحبة.
وأكد أن الفقراء لا ينبغي أن يُنظر إليهم كمجرد متلقين للمساعدة، بل كشركاء فاعلين في بناء المجتمع والكنيسة، مشيراً إلى أن المحبة الحقيقية تعيد صياغة العلاقات الإنسانية على أساس الكرامة المتساوية والأخوّة المشتركة.
وسلّط البابا الضوء على مثال القديس فرنسيس الأسيزي، الذي اختار العيش بين الفقراء متجرداً من مظاهر الغنى، ليشهد أن الفرح الحقيقي يولد من التواضع ومشاركة الفقراء حياتهم. واعتبر أن هذا النموذج ما زال يشكل مصدر إلهام للمؤمنين في عالم اليوم.
وفي ختام رسالته، دعا البابا لاوُن الرابع عشر إلى أن يشكل اليوم العالمي للفقراء فرصة لتجديد الالتزام الكنسي والإنساني تجاه المحتاجين، والاعتراف بوجه المسيح الحاضر في وجوههم. كما جدّد دعوته إلى «كنيسة فقيرة مع الفقراء»، تكون فيها المحبة والعدالة والتضامن أساساً لبناء عالم أكثر إنسانية ورجاءً.
يُذكر أن اليوم العالمي للفقراء أطلقه البابا فرنسيس عام 2017 بهدف تسليط الضوء على مختلف أشكال الفقر، المادي والاجتماعي والثقافي والروحي، والدعوة إلى التزام عملي ومتواصل تجاه الفقراء، انطلاقاً من إيمان الكنيسة بأن خدمة المحتاجين ليست خياراً إضافياً، بل جزء جوهري من رسالتها الإنجيلية وشهادتها للمسيح.