الأخبار
البطريرك نونا من عنّايا: القداسة أن نسمح للمسيح أن يمتلكنا
بمناسبة ذكرى الشفاعة العجائبية للقديس شربل، ترأس رئيس دير مار مارون – عنّايا، ضريح القديس شربل، الأب ميلاد طربيه، القداس الإلهي الذي أُقيم الأربعاء 22 تموز 2026، في دير مار مارون – عنّايا، بمشاركة غبطة البطريرك مار بولس الثالث نونا، بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، والمطران ميشال عون ممثلًا صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، والأباتي هادي محفوظ، رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية، والمطران أنطوان-شربل طربيه، والمطران ميشال قصرجي، ورئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير الغاوي، إلى جانب عدد من الكهنة والرهبان والراهبات وحشد من المؤمنين.
وفي مستهل الاحتفال، رحّب الأباتي هادي محفوظ بالبطريرك نونا، معربًا عن شكره لقبوله المشاركة في هذه المناسبة الروحية، ومؤكدًا أن حضوره شكّل مصدر فرح وفخر للرهبانية اللبنانية المارونية ولجميع المؤمنين.
كما رحّب بالمطران ميشال عون ممثلًا البطريرك الراعي، وبالمطران ميشال قصرجي، والمطران أنطوان-شربل طربيه، وسائر الحاضرين، شاكرًا الأب ميلاد طربيه على استضافته وتنظيم الاحتفال.
وأشار الأباتي محفوظ إلى أن يوم 22 تموز يحمل دلالات خاصة في تاريخ القديس شربل، إذ يرتبط بمراحل مفصلية من مسيرة تكريمه، بدءًا من إقفال ملف دعوى تطويبه، مرورًا بفتح ضريحه وانطلاق مسيرة العجائب، وصولًا إلى الأعجوبة التي نالتها نهاد الشامي، متمنيًا أن ترافق شفاعة القديس شربل الجميع، وأن يبقى مثالًا في حياة الصلاة والاتحاد بالمسيح.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك نونا عظة تمحورت حول مفهوم القداسة في الإيمان المسيحي، مؤكدًا أن القداسة ليست أولًا ما يفعله الإنسان من أجل الله، بل ما يسمح لله أن يحققه فيه.
وأوضح أن القديس بولس، عندما يقول: «لأنكم جميعًا الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح»، يكشف أحد أعمق أسرار الحياة المسيحية، إذ إن الإيمان لا يقتصر على معرفة المسيح أو الاقتداء به، بل يعني أن يحيا المسيح في الإنسان ويصبح حياته.
وأشار إلى أن المعمودية ليست مجرد غفران للخطايا، بل هي ولادة جديدة ولباس جديد بالمسيح، مؤكدًا أن القداسة لا تنتقص من إنسانية الإنسان، بل تجعله أكثر اكتمالًا، لأن الاقتراب من الله يكشف حقيقة الإنسان ويمنحه الحياة الجديدة.
وأضاف أن المقياس الحقيقي للقداسة ليس كثرة المعرفة الدينية، بل مقدار ما تغيّر معرفة الله قلب الإنسان، حتى يصبح قلبه على مثال قلب المسيح، الذي يرى الإنسان قبل خطيئته، ويمنحه دائمًا فرصة جديدة للنهوض.
وأكد أن الرحمة ليست تجاهلًا للخطيئة، بل الإيمان بأن الخطيئة ليست الكلمة الأخيرة في حياة الإنسان، لأن الله يرى ما هو أعمق من السقوط، ويرى في كل إنسان إمكانية النهوض بقوة نعمته.
واعتبر أن الإنسان، كلما اقترب من قداسة الله، ازداد إدراكًا لضعفه الشخصي، ولذلك يصبح أكثر رحمة بالآخرين وأقل ميلًا إلى إدانتهم، مستشهدًا بالتراث الروحي المشرقي وتعليم مار إسحق النينوي، الذي يرى أن القلب الرحيم هو ثمرة الاتحاد بالله والتعلّم من محبته.
وشدد البطريرك نونا على أن محبة الله تسبق استحقاق الإنسان، مستذكرًا قول القديس بولس: «والله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطأة مات المسيح لأجلنا»، موضحًا أن الله يقبل الإنسان أولًا، ثم يفتح أمامه طريق التغيير.
وأوضح أن من يلبس المسيح يلبس أيضًا رحمته ونظرته إلى الآخرين، فلا تصبح القداسة جدارًا يفصل الإنسان عن محيطه، بل نورًا يقود الآخرين إلى الله، داعيًا المؤمنين إلى أن يكونوا مكانًا يجد فيه المتعبون والضعفاء والخطأة الرجاء والراحة.
وختم عظته بالتأكيد أن القداسة ليست مشروعًا لتحسين الذات، بل مشروع الله في الإنسان، وليست بحثًا عن إعجاب الناس، بل أن يصبح الإنسان نافذة يطل منها المسيح على العالم. وقال إن القديس الحقيقي هو الذي يقود الآخرين إلى لقاء المسيح، تمامًا كما يفعل القديس شربل الذي ما زال، بعد أكثر من قرن، يجذب المؤمنين إلى عنّايا، لأنهم لا يبحثون عنه لذاته، بل عن المسيح الذي لبسه حتى أصبح حضوره شفافًا لحضور الرب.
وأضاف: «القداسة ليست أن نمتلك المسيح، بل أن نسمح للمسيح أن يمتلكنا».