الأخبار

الفاتيكان

البابا للشباب في أسيزي: كونوا صانعي سلام وابنوا حضارة المحبة

البابا للشباب في أسيزي: كونوا صانعي سلام وابنوا حضارة المحبة

في مستهل زيارته الرعوية إلى أسيزي، وفي ختام لقاء الشباب الفرنسيسكاني، التقى قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح الخميس ٦ آب الشباب المشاركين في اللقاء، في ساحة بازيليك القديسة مريم سيدة الملائكة، وأجاب عن أسئلة عدد منهم، متناولًا الشهادة المسيحية، والدعوة، والالتزام الدائم، وعلاقة الشباب بالكنيسة.

وكان السؤال الأول من شابة كرواتية حول النصيحة التي يقدمها البابا للشباب الذين نشأوا في روحانية القديس فرنسيس، لكي يظلوا، في عالم سريع التغيّر يصعب فيه على كثيرين العثور على مرجعية وبناء علاقات حقيقية وفتح القلب لله، تلاميذ حقيقيين للمسيح، يحملون الرجاء إلى أترابهم من دون أن يفقدوا فرح الإنجيل وبساطة القلب والقرب من الأشخاص، بما يجعل الشهادة المسيحية صادقة.

وفي إجابته، قال البابا إن جزءًا من الجواب يكمن في السؤال نفسه، إذ قدّمت الشابة شهادة على أسلوب البساطة والأخوّة والقرب الذي مكّنها من النضج في الإيمان، من خلال الانتماء إلى جماعة والانفتاح، في الوقت عينه، على الجميع.

وأشار إلى أن ذلك حدث في جزء من أوروبا عرف، قبل ثلاثين عامًا، الحرب وتداخلًا خطيرًا بين الانتماء الديني والنزعات القومية، مذكّرًا بأن الحضور الفرنسيسكاني حفّز، على مدى قرون، الحوار وساعد على التعايش السلمي بين الكاثوليك والأرثوذكس والمسلمين. وأضاف أن الأمانة اليوم لهذا التقليد القائم على القرب تعني السير عكس التيار والعمل على تنقية الذاكرة وزرع المصالحة.

وأكد البابا لاوُن الرابع عشر أن المسيحيين سيُطالبون، أكثر فأكثر، بأن يكونوا صانعي سلام داخل مجتمعات يهددها استغلال الدين في صراع بين الهويات. وأضاف أن كونهم شهودًا للمسيح سيظل أمرًا جذابًا وملزمًا، لأنه يوسّع الأذهان والقلوب إلى ما وراء الحدود المصطنعة، متجاوزًا المخاوف الناتجة من الإعلام السيئ وجدران الأحكام المسبقة.

وتحدث الأب الأقدس عن أن الابتعاد عن ثقافة القوة وبناء حضارة المحبة لا يُفهمان ولا يُقبلان على الفور، داعيًا إلى تعلّم ما وصفه بـ«جذرية الإنجيل» التي هي عكس التعصب، لأنها لا تجعل الإنسان أعمى أو عدوانيًا، بل حساسًا ومتنبهًا، يتبع يسوع ببساطة وانفتاح على الجميع. وأضاف: «هذا ليس سهلًا، لكنه مفرح».

ودعا البابا الشباب إلى تخيّل المكان الذي يجتمعون فيه كما كان قبل ثمانية قرون، حين تجمّع مع القديس فرنسيس مئات الإخوة الشباب من مختلف أنحاء أوروبا، وإلى تخيّل الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين، كما يُذكر في قوانين القديس فرنسيس، كانوا يتأملون في الله بالصلاة والبكاء وممارسة المحبة، مجتمعين في صمت ووداعة كبيرين.

وأشار إلى أن هذا الصمت هو نقيض الحرب بعنفها وصراخها وقسوتها، وأن ملابس أولئك الإخوة، كما الحقائب التي يحملها الشباب اليوم على ظهورهم، تتحدث عن السلام. وقال: «هذه هي الكنيسة، جماعة من الإخوة والأخوات الجميع مدعوون إليها».

وشدد على جمال الاجتماع معًا للتأمل في الله، وبالتالي التأمل في نوره حول الحياة وجمالها وسرها وجديتها، داعيًا الشباب إلى الشهادة لهذا الأسلوب في كل مكان، ولا سيما في زمن تُفقدنا فيه التكنولوجيا اعتيادنا على أن نكون معًا، أشخاصًا من لحم ودم.

وذكّر البابا بأن القديس فرنسيس أدرك أن اختيار الفقر قادر على تقريب البعيدين وتشجيع اللقاء والدعوة إلى تبادل العطايا، وأن الإنجيل لا ينفصل عن اختيارات يسوع المسيح الذي افتقر ليُغنينا. وأضاف أن الإنجيل هو حياة يسوع ومساره وثقته التي لا تتزعزع بالآب، وأنه حين نجتمع باسمه يكون بيننا، ويصبح الفرح الذي يملأ القلب حرًا وصادقًا، فرحًا يبشّر أكثر من الكلمات ولا يمكن إخفاؤه.

بعد ذلك، أجاب البابا عن سؤال لشاب إيطالي حول كيفية تمكّن الشباب من قول «نعم» كاملة وشجاعة لله الذي، رغم انغماسهم في عالم تسوده ثقافة المؤقت، يتحدث إليهم ويدعوهم إلى اتباعه، كاشفًا لهم تدريجيًا دعوتهم. كما سأله الشاب عمّا ساعده شخصيًا في مسيرة استجابته لدعوته.

وقال البابا لاوُن الرابع عشر إن هناك ميلًا اليوم إلى الحديث بصورة سلبية عمّا هو مؤقت، فيما كان هناك زمن تُربي فيه الكنيسة على معنى المؤقت، متحدثة عن العالم الذي يمر، والزمن الذي يتسارع، وأمور الأرض التي تتغير، فيما الله وحده هو الذي يبقى. ودعا إلى التساؤل عما تغيّر، لكي لا نكون ممن يبكون على الماضي، فلا يواجهون الحاضر ولا يتحملون مسؤولية المستقبل.

وأشار إلى أن العالم كله يشهد زوال استقرار المجتمعات التقليدية التي كان يمكن لأجيال كاملة أن تعيش فيها تغيّرات قليلة، حيث كان كل شيء منظمًا ومُعدًا مسبقًا. وكانت شهادة الكنيسة تدعو إلى عدم التوقف عند مصير مكتوب، بل إلى تمييز قيمة كل فعل في علاقته بالأبدية.

أما اليوم، ومع قراءة مرتبكة للحرية، فنحن نوهم أنفسنا بأن الحياة لا تأخذ شكلًا ثابتًا أبدًا، لأن الإطار الذي نعيش فيه يتغير بسرعة، ولأننا نحن أيضًا نتغير كثيرًا. إلا أن الخوف من الضياع وإمكانه يزدادان في الوقت نفسه. ومن هنا، أكد البابا أن «شجاعة القيام باختيار نهائي هي، على الأرجح، الفعل الأكثر ثورية».

وأوضح أن اختيار شيء دائم لا يحبس الإنسان في قفص، بل يفتحه على دينامية أكبر، لأن المحبة خروج ودرب يجب السير عليه، وطريق يسير الله فيه معنا، وهذا هو المعنى الحقيقي للدعوة.

وأضاف أن الكتاب المقدس يدعونا إلى العيش بهذه الطريقة، متحدثًا عن الترابط بين الإيمان والثقة وأن نكون جديرين بالثقة. ففي الإيمان، بحسب البابا، ينكشف وهم الاعتقاد بأن المشاكل تُحل بالهروب أو الخيانة أو السير خطوات قليلة في طرق مختلفة من دون الوصول بعيدًا، حيث قد تتعدد الخبرات والعلاقات والاستهلاك، فيما يبقى الإنسان في النقطة ذاتها.

وأشار إلى الثمن الإنساني المرتفع والفراغ الداخلي العميق الناجمين عن ذلك، مؤكدًا أن «إلى الأبد» هو نعمة يساعدنا الله على الاستجابة لها بأمانتنا من أجل ملء الحياة. وشدد على ضرورة تعلّم معرفة الذات واتخاذ القرارات منذ الصبا، أي الإجابة على الرب الذي يدعونا، من دون التوقف عن ذلك مع بلوغ سن الرشد، سواء في القرارات التي سبق اتخاذها أو تلك التي لا يزال علينا اتخاذها.

ووصف هذه المسيرة بأنها مغامرة ينبغي ألا يشعر فيها أحد بأنه وحيد، وهي، كالإيمان، تستمر حتى اللحظة الأخيرة.

وفي حديثه عن مسيرته الشخصية في الاستجابة للدعوة، قال البابا لاوُن الرابع عشر إن الرب لم يتركه وحيدًا قط، بل رافقه دائمًا ووهبه أشخاصًا للسير معهم. وأضاف أنه وجد، في دعوته الكهنوتية كعضو في الجماعة الأغسطينية وفي دعوته الإرسالية، نورًا وجّهه حتى الآن، وصولًا إلى اليوم الذي كان عليه أن يقول فيه «نعم» أيضًا لدعوة خاصة جدًا: أن يكون بابا.

وتحدث الأب الأقدس عن أن المشاركة في مشروع الله لكل واحد منا تتضمن دعوة أساسية مكتوبة في كل قلب، هي الدعوة إلى الشركة، التي لا تُسمع مرة واحدة فقط، بل كل يوم. وأضاف أن الخطيئة تلوّث وضوح هذه الدعوة، مدخلةً إلى الروابط الأساسية عدم الثقة والمنافسة والشك.

وتابع أن الدعوة هي أيضًا، بفضل الله، مسيرة فداء وشفاء، وأن دعوة يسوع إلينا لاتباعه تنير كرامتنا وتجعلنا نكرّم كرامة الآخرين، فنجد الثقة ونمنحها، واصفًا هذه الآلية بأنها محرِّرة جدًا وجديرة بالشغف بها.

ثم أجاب البابا عن سؤال لشاب إيطالي آخر حول سبب الصعوبة التي يجدها الشباب اليوم في رؤية الكنيسة أمًا مستعدة دائمًا، رغم جراحها، لاستقبالهم ومحبتهم، فيما كان القديس فرنسيس قد وعد بطاعة البابا رغم أنه عاش في فترة عانت فيها الكنيسة تناقضات ومصاعب داخلية، من دون أن يهاجمها.

وقال البابا إن هذا السؤال آني ويحمل إلى جوهر خبرة القديس فرنسيس، وإن مواجهته تعني تقاسم رغبة الرب يسوع في ما يتعلق بالكنيسة. وأوضح أن القديس فرنسيس أصغى إلى يسوع وتأمل فيه، وأن علينا دائمًا العودة إلى هذه الرغبة.

وأضاف أن كثيرين اليوم لم يتمكنوا من اختبار الكنيسة بالشكل الذي يريده يسوع، وهذا يؤلم ويترك جراحًا وخيبات أمل، وقد يتحول، بالنسبة إلى البعض، إلى عائق أمام الإيمان.

وذكّر بأن يسوع يحذّر من هذا التعثر، أي من احتمال أن يصبح تلاميذه حجر عثرة للآخرين، ولا سيما للصغار والفقراء. وأشار إلى أن رغبة يسوع تظهر في الجماعة التي تشكلت حوله منذ البداية، وفي جمع شعب يتجاوز ما يفرّق البشر عادة، إذ يصبح حول يسوع رجال ونساء، ما كان لهم أن يلتقوا، إخوة وأخوات.

وأضاف أنه حين تتواصل، بنعمة الله، معجزة الكنيسة هذه، فإنها تظل أمرًا مدهشًا حتى اليوم في مدننا المليئة بأسوار غير مرئية تفصل الناس بعضهم عن بعض، متسائلًا عن حجم التفرقة واللامساواة اللتين يمكن أن تزولا فور اعتبارنا أنفسنا إخوة وأخوات.

وتوقف البابا عند جانب آخر من هذه الوحدة، مذكّرًا بكلمات يسوع: «فليس الأمر فيكم كذلك»، و«من أراد أن يكون كبيرًا فيكم، فليكن لكم خادمًا. ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لأجمعكم عبدًا».

وأكد أن رغبة يسوع في الكنيسة واضحة: أن تكون جسده وتُظهر حياته، وتتبع مثاله، وتمارس شكلًا مختلفًا من القوة، «قوة لا تهين بل ترفع».

وقال البابا لاوُن الرابع عشر إن كلمة الله والأسرار وممارسة المحبة الأخوية هي طرق تحوّل لكي تتحقق فينا صورة الله، مضيفًا أن القديس فرنسيس سار على هذه الطرق: «الخدمة لا الهيمنة، التلقي لا الاستحواذ، الإعادة لا الاحتفاظ». وهذه، بحسب البابا، هي حياة الله التي تحمي الكنيسة وتجعلها شعبًا حرًا ومكان خلاص.

وذكّر بالدعوة التي تلقاها القديس فرنسيس إلى إصلاح الكنيسة، مؤكدًا أن لكل واحد منا دورًا في هذه «الورشة المفتوحة دائمًا». وقال إن لدينا مسؤوليات ودعوات مختلفة، لكننا نسير معًا، محفزين بعضنا بعضًا، ومساعدين ومشجعين بعضنا بعضًا.

وشدد البابا على ضرورة أن يقوم كل شخص بدوره، فعندها «سنتكلم عن الكنيسة بالمحبة التي نتحدث بها عن الأم، لأننا سندرك انتماءنا إليها». وأضاف أن ذلك سيكون أسلوبًا صادقًا لمحبة هؤلاء الأشخاص وذلك التاريخ الذي جاء فيه يسوع إلينا وظل معنا.

واختتم البابا لاوُن الرابع عشر حديثه إلى الشباب مذكّرًا بكلمات المسيح: «وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم»، مؤكدًا: «هذا هو الإنجيل الذي نعلنه». وأضاف أنه، لكي نتقاسم رغبة الرب، لا حاجة إلى أن نظهر أنفسنا أفضل مما نحن عليه، بل أن ندع يسوع القائم من الموت يعمل في حياتنا.

المصدر: صوت المحبّة