Charity Radio TV

مقالات

الكهنة في رسائل القدّيسة إليزابيت للثالوث الكرمليّة - كتابة الأب نوهرا صفير الكرمَلي

إنَّ موضوع التكلُّم عن الكهنة ليس جديدًا في حياة رهبانيَّة الإخوة الحفاة للطوباويَّة مريم العذراء، سيِّدة جبل الكرمَل، فإنَّ الأمّ القدّيسة ومعلّمة الكنيسَة تريزا ليسوع ' الأفيليَّة ' كان لها العدد الكبير من خطوط التواصل مع الكهنة، من خلال المرافقة الروحيَّة، والإعتراف، كما أنّها تعطي أهميّة واسعة للمرشدين والمعرفين في كلّ كتاباتها. دون أن ننسى معلّمة الكنيسة وشفيعة المرسلين القدِّيسة الكرمليّة الشّابة تريز الطفل يسوع الوجه الأقدس، وغيرهم من قدِّيسي الكرمَل.

إنَّ البُعد التأمّلي في حياة الكرمليّة المحصَّنة، يحمل في جذوره شعورًا كنسيًا أعمق وأكبر. فإنَّ الراهبة الكرمليّة هي هناك أمام مَن كرَّست نفسَها بكليَّتها لهُ وحدهُ، مِن أجل الكنيسة المقدَّسَة، الإرساليات، المرسلين، الكهنة، وخلاص النفوس ... قالت الأمّ القدّيسة تريزا ليسوع الأفيليَّة، ' تبذل حياتها ألف مرة ' من أجل أن يرتدَّ ولو خاطئ واحد.
كتبت القدّيسة إليزابيت للثالوث إلى الكاهن أنجلز الرسالة 39، يوم 24 كانون الأول/ ديسمبر 1900، تقول فيها: ' سيِّدي العزيز، ليغمرك الطفل الإلهيّ بأعذب بركاته وأغزر نعمه، وليُنركَ بألطف أنوار حبّه! في هذه الليلة، قرب المغارة، كم سأصلّي لأجلكَ! إنّه إلى حبيبي يسوع أعهد بكلّ أمنياتي لسنة 1901، وهو سوف يحملها إليك. إنَّ عيد الـميلاد هذا، يتكلم إلى النفس كثيرًا؛ يبدو لي أن يسوع يدعوها لتموت عن كل شيء، لتولد لحياة جديدة، حياة حبّ. آه! لو كنتُ أستطيع أن أكون صغيرة مثله، وأكبر بعدها قربه، مقتفية أثر خطواته الإلهية! '

تتميَّز القدّيسة إليزابيت للثالوث في الرسائل البسيطة التي كتبتها من عمق صومعتها وعزلتها داخل حياة الكرمَل، وهذه الرسائل شديدة العمق والمستوى اللَّاهوتي التي تتوجَّه بها إلى رهبان وكهنة كرّسوا كلَّ حياتهم لخدمة الرَّبّ والنفوس من خلال درجة سرّ الكهنوت المقدَّس. كتبت القدّيسة إلى الكاهن أنجلز الرسالة 91، يوم 11 أيلول/ سبتمبر 1900، تقول فيها: 'سيدي العزيز، لقد سمحت أُمّنا المكرّمة لي بالمجيء إلى عندك، وأنا أفعل ذلك من كلّ قلبي كي أشكرك على التفاتاتك الحسنة تجاه أمّي العزيزة. لم يدهشني قطّ كلّ ما قالته لي. أنت تعلم مدى عرفاني بجميلك: لا يمرّ يوم دون أن أصلِّي لأجلكَ. آه! أشعر، كما ترى، بأنَّ جميع الكنوز المختزنة في نفس يسوع هي لي، كذلك أشعر بأنَّني غنية جدًّا، وأنّني أُقبِل على الإغتراف من هذا النبع بسعادة غامرة، لأجل جميع الذين أحبّهم والذين أحسنوا إليَّ.

' آه! كم أنّ الله رؤوف، وأنا لا أجد تعبيرًا أُفصح به عن سعادتي، وأُقدّر ذلك في كلّ يوم أكثر. هنا لا يوجد شيء مطلقًا. لا يوجد إلاَّ هو. هو الكلّ، هو يكفي ومنه وحده نحيا. نجده في كلّ مكان، في غرفة الغسيل كما في الصلاة. أحبّ ساعات الصمت الطويلة من بين كلّ الساعات، وأنا في إحداها أكتب إليك. تصوَّر نفسك أنّك إليزابيت في صومعتها الصغيرة العزيزة جدًا عليها: هي معبدنا، لا شيء إلَّا من أجله ومن أجلي، وتحرز مدى الساعات الطويلة التي أقضيها مع حبيبي فيها!
لدينا القربان المقدَّس كلّ يوم أحد، مصمودًا في الكنيسة. وكم أتأمَّل السجين الإلهيّ حين أفتح الباب، السجين الذي جعلني سجينة في هذا الكرمَل العزيز والمقدَّس، ويبدو لي، نوعًا ما، أنّه باب السماء الذي ينفتح! عندئذِ أضع الذين في قلبي أمام يسوعي، وهناك بجواره ألتقي بهم. ترى أنه في كثير من الأحيان أفكر فيك، ولكني أعرف أنّك لا تنساني وأنّه في كلّ صباح، في أثناء تقديمك القربان المقدّس، تتذكَّر كرمليّتك الصغيرة التي عهدت إليك بسرها منذ مدة طويلة. أنا لا آسف على سنوات الانتظار هذه، فسعادتي كبيرة للغاية، وكان يجب أن أشتريها بالفعل. آه! كم أنّ الله رؤوف!..
لن نرحل. آه! كم أحب أن أحيا في زمن الإضطهاد هذا؛ كم ينبغي أن نكون قدّيسين! فاطلب لأجلي هذه القداسة التي أتعطّش إليها. نعم، أريد أن أكون كالقدّيسين، وكالشهداء.
أفرح حين أفكر في أنّ أمّي العزيزة سوف تلتقي بك. أيّ نفس هي، أليس كذلك؟ بلّغها أنّني أبدًا لم أحبّها بهذا القدر، كما أحبّها الآن، وأنّني أشكرها أيضًا لأنّها أعطتني إلى الله. وصغيرتي غيت، يا لسخائها! إنها لا تستسلم بسهولة، لكن لو كنت تستطيع أن ترى، في العمق، كيف تركت أختها الكبيرة تتصرّف! وأتساءل مرّات فيما إذا كان الله لن يأخذها أيضًا!
أستودعك الله، يا سيّدي العزيز. لنتَّحد دائمًا، وحتى لا نحيا أبدًا إلّا منه. آه! لنترك الأرض، سيكون جميلًا أن نحيا في السماء. وأطلب إليك أن تباركني بما في الأفضل من نفسك'.

إنَّ هذا التواصل بين الراهبة الكرمليّة ويسوع لا يحتاج لوسيطٍ آخر، فهو علاقة مباشرة ومستمرة مع صديق كلّهُ حُبّ ورحمة؛ هذا الخطّ من التواصل الذي يصل بالراهبة الكرمليّة إلى أقطار العالم، إلى الكنيسة، هو بحاجة إلى الكاهن. ومن هنا فإنَّ أهمية الكهنة في حياة أديار الكرمليّات الحافيات المحصّنات تُعطي لهذا التواصل مكانة وأهميّة كبرى، خاصَّةً في تنشئة الراهبات.
إليزابيت للثالوث، هي ابنة هذه المدرسة الكرمليَّة، والرسوليّة، والتأمليّة، مدرسة العذراء مريم والدة الإله وأمّ الكاهن الأوَّل، ومدرسة الملافنة الكبار تريزا ليسوع ' الأفيليَّة ' ويوحنا للصليب. والثالوث الأقدس الذي كان قلب إليزابيت السُكنى لهُ ومسكنهُ الخاص، ذهب بها إلى أبعد عمق أعماقها؛ وهي بدورها اختبرت حضوره الدائم في حياتها، في جسدها ونفسها، فصارت المسبَّحة بمجدهِ، ومن خلال هذا الاختبار هي تعرف أن الله يعمل في الكنيسة والنفوس بشكل خاص من خلال دور الكاهن ومكانتهم، بالرغم من جهل الأغلبيّة منهم لحقيقة هذا العمل والحضور.
يصل الاختبار الصوفي بالنفس إلى اختبار الإتحاد الدائم مع العريس الإلهيّ، والعيش بحضوره الفعليّ، الذي يتحوّل بالنسبة إلى المؤمن وغير المؤمن إلى اختبار حضور الله الحيّ في الأسرار المقدَّسة.
كثيرون هم الأشخاص غير القادرين على الوصول إلى هذا الإختبار الصوفي، ينعمون دومًا بحضور الله إلى جانبهم من خلال الكاهن، وعيش الافخارستيا، وجميع أسرار الكنيسة المقدّسة.

فهمت إليزابيت واكتسبت معرفة ورغبة كبرى في العيش بقلب الله. والمسألة الأساسيّة هي تلك الرغبة العميقة لدى الله في أن يقيم فينا ويسكُنَ بيننا. من هنا دور القديسين في الكنيسة هو الاشارة إلى الأكثر أهميَّة، عبر مساعدتنا لننال منه من خلال جميع السبُل بأن يعطينا اياها الله الكليّ الصلاح. إنَّ الكاهن، هو الوسيلة الأولى بين يدي يسوع لكي يصل إلى جميع، ووسيلة للخليقة لكي ينضمَّ إلى الله.
تقول إليزابيت هذه المفاهيم بتعبيرها الخاصّ إلى الكثير من أصدقائها وخاصَّةً مرشديها الكهنة، فهي تُدخِلها في عمقِ صلاتها ورغبات قلبها الفائقة الوصف، لأنها رغبات قلب يسوع، الكاهن الأوَّل ...
صلاتُها معنا. آمين.