عظة الأحد

التاريخ: 2026-06-21 متى (10 ، 1 - 7) الخوري راشد شويري الخوري راشد شويري

الأحد الخامس من زمن العنصرة : دعوة الرسل - اتبعني كما انت

للوهلة الأولى، نظنّ أن الربّ يسوع يدعو اثني عشر تلميذًا ويرسلمهم في مهمّة خاصّة، تتطلّب امتيازًا خاصًّا وقوّة استثنائيّة، كأن يطردوا الأرواح النجسة ويشفوا المرضى من كلّ مرض وعلّة.

لكن، إذا ما أمعنّا التفكير قليلًا في أسماء المدعوّين، نجد أنّه يدعو سمعان بطرس المتردّد والعاجز عن مواجهة جارية لقول الحقيقة التي سبق أن دافع عنها، وكذلك يعقوب بن زبدى ويوحنا أخيه المنشغلين بالبحث عن منصب مرموق دون التفكير بالآخرين، وأيضًا متى الذي دأب على البحث عن أرباح خسيسة على حساب عوز وتعاسة الآخرين، أو توما الذي لم يعطِ الثقة لكلام الربّ وشكّ بقيامته، أو يهوذا الإسخاريوطي الذي أفقدته خطيئته كلّ رجاء ومنعت عنه التوبة، أو سمعان الغيور الذي كان ينتظر الخلاص عن طريق حلّ سياسي ثائر، والتلاميذ جميعهم، دون استثناء، حملوا ضعفًا بشريًا ظاهرًا. 

 هذا المشهد، الذي يبدو بسيطًا، يحمل في عمقه سرّ الكنيسة التي بناها الربّ على مداميك هؤلاء التلاميذ الضعفاء، إذ لم يتوقّف عند خوف وتردّد سمعان بطرس بل وجد فيه صخرة يبني عليها، ولم يتخذ موقفًا سلبيًا من توما بل انتظر أن يسمع منه اعترافًا صادقًا بإعلان المسيح القائم ربًا وإلهًا له، ولم يرَ جشع متى وطمعه بل رأى استعدادًا غير مشروط لترك غنى العالم ومكاسبه واتباع الربّ حيث يريد. 

هذا المعيار في ملاقاة الله للإنسان نجد جذوره في أسفار العهد القديم، كسفر الخروج الذي يخبرنا عن رحمة الرب نحو بني يعقوب الذين تآمروا على أخيهم يوسف وبادروا إلى محاولة قتله، كيف منحتهم فرصة للتوبة وأعادتهم إلى نصابهم الطبيعيّ، بالتالي تباركوا وملأوا الأرض.

هكذا هو منطق الربّ المختلف عن منطق الإنسان، حتى أن رسول الأمم أدرك أن جميع امتيازاته "كيهودي – روماني" التي كان يتفاخر بها أصبحت نفاية أمام إدراكه لسرّ المسيح. ترك ماضيه وسعى إلى المضي قدمًا ليفوز بالجائزة العليا التي أعدّها له الربّ يسوع.

لا يزال الربّ ينظر إلينا في عين الرحمة، داعيًا إيّانا إلى طرد النجاسة من أرواحنا وشفاء نفوسنا من عاهاتنا وأمراضنا التي تمنعنا عن إدراكه والآخر وعيش الشراكة معهما، مزوّدًا إيّانا بأسراره المقدّسة، فنتّحد به بعمادنا ونتسلّح بمواهب روحه بتثبيتنا ونشاركه الشكر للآب بقوّة الروح القدس بالإفخارستيّا ونتجدّد بتوبتنا ومصالحتنا ونشفى بالمسحة ونتبرّر بالأمانة الزوجيّة ونخدمه وأخوتنا بالخدمة الكهنوتية العامّة والخاصّة. 

حين أنظر إلى مرآة ذاتي أجدني خاطئًا ضعيفًا، أحاول التستّر خلف نكران لواقعي المرير ومظاهر واهية أحاول من خلالها إخفاء الخجل الذي يعتريني في كلّ مرّة أقف فيها أمام خطيئتي التي تبقى أمامي في كلّ حين، فتعيدني إلى ضعفي الذي يجعلني عاجزًا عن القيام بما تفرضه عليّ إنسانيّتي، حتّى الأمور البسيطة الصغيرة من أعمال رحمة وشهادة حقيقية. لكنّ مرآة الربّ لها معاييرها الخاصة، إذ تحوّل ضعفي إلى مزيد من ثقة الربّ فيّ، لأنّه لا ينظر إلى ماضيّ الضعيف، بل إلى قدرتي التي تقوى به إذ هو يقوّيني ويعتمد عليّ. 

الآن، صوت الربّ يهمس في أعماقنا كالنسيم العليل : "إتبعني!" فهل نجيب؟