عظة الأحد

التاريخ: 2026-03-08 لوقا (15 ، 11 - 32) الخوري ريمون أبي تامر الخوري ريمون أبي تامر

الأحد الرابع من الصوم - الإبن الضال- الابن الضال والأخ الغاضب… والابن الحقيقي: رحلة الإنسان إلى قلب الله

ليس مثل الابن الضال مجرد قصة عن شاب أسرف ثم ندم، بل هو كشف عميق للإنسان حين يفقد ذاته، ووجه الله حين يرفض أن يتخلى عن صورته المزروعة فينا. النص يكشف صراعنا بين الضياع والغضب والرحمة، ويعرض الابن الحقيقي الذي يعيد صياغة العلاقة بين الله والإنسان، وبين الإنسان وأخيه، بطريقة تهز الروح وتفتح أسئلة وجودية.

أولًا: الابن الهارب – البحث عن الذات خارج الصورة

الابن الأصغر طلب ميراثه قبل موت أبيه، لكنه لم يطلب مالًا فقط، بل حرية تبدو مستقلة عن الأصل. هنا تتجلّى مأساة الإنسان: أن يظنّ أنّ حريته تتحقّق بانفصاله عن الله، وأن هويته يمكن أن تُبنى بعيدًا عن صورته الأصلية.

الابتعاد إلى “كورة بعيدة” ليس انتقالًا جغرافيًا، بل اغتراب أنطولوجي. الإنسان المخلوق على صورة الله (imago Dei) يحاول أن يؤسس ذاته خارج هذه الصورة. الحرية المنفصلة عن المصدر تتحوّل إلى عبودية، والغنى المقطوع عن العلاقة يصبح مجاعة داخلية.

 “فرجع إلى نفسه.”

هذه العبارة ليست لحظة ندم فحسب، بل لحظة كشف الهوية. التوبة ليست مجرد رجوع مكاني، بل استعادة لذاتٍ ضاعت في وهم الاستقلال.

الأب لم يستقبله كأجير، بل أعاده إلى كرامته الأصلية: الحلة، الخاتم، الوليمة. الرحمة هنا ليست قرارًا قانونيًا، بل إعادة خلق أنطولوجية.

ثانيًا: الابن المقيم خارج الفرح – التدين المغلق والقسوة المقنعة

المأساة لا تتوقف عند الضياع الفردي. هناك ضياع أشد: أن يبقى الإنسان في البيت ويظلّ خارج قلب الأب. الابن الأكبر لم يترك الأرض، لكنه لم يعرف الفرح الحقيقي. عاش الطاعة كواجب، كحساب، لا كمحبة.

حين عاد أخوه، لم يرَ فيه أخًا، بل تهديدًا لهويته. هذا هو وجه كل تدين يتحوّل إلى امتياز مغلق: قلب يحمي موقعه، لا خلاص الآخرين.  كل مشروع ديني يغلق أبوابه ويحتكر الحقيقة، كل قوة تدعي القداسة لتبرير السيطرة والقمع، كل عقل ديني يختزل الحب في امتياز، ويمنع الفرحة بخلاص الآخر.

الأب يخرج إليه أيضًا، كما خرج للضال. “كل ما لي فهو لك.” المشكلة ليست في نقص عطية، بل في ضيق قلب. من لا يفرح بخلاص أخيه لم يدخل بعد عمق البنوة.

ثالثًا: الابن الحقيقي – المسيح الذي يعيد البنوة والأخوّة

بين ضياع الأول وانغلاق الثاني، يشرق الابن الحقيقي: يسوع المسيح. لم يطالب بميراث، ولم يتشبث بامتياز. نزل إلى “الكورة البعيدة” التي هي إنسانيتنا المجروحة، ليس ليشاركنا السقوط، بل ليحملنا إلى بيت الآب.

فيه تتجلّى البنوة الكاملة: طاعة ليست خضوعًا مذلًّا، بل محبة حرّة؛ حرية ليست انفصالًا، بل اتحادًا. على الصليب، لم يعد الابن وحده، بل فتح الطريق للجميع. صار هو البيت الحيّ بين الله والإنسان.

به تُشفى العلاقة العمودية والأفقية معًا. من يدخل في شركة الابن لا يستطيع أن يرفض أخاه، لأن البنوة الحقيقية تولّد أخوّة حقيقية. المسيح لا يعيدنا فقط إلى الله، بل يحرّرنا من صورتنا المشوهة، التي بررت ضياعنا أو قسوتنا.


المثل ينتهي بسؤال مفتوح: هل دخل الابن الأكبر إلى الوليمة؟

الإنجيل لا يجيب، لأن الجواب يخصّنا نحن.

هل نريد حرية تقطعنا عن الأصل، أم بنوة تعيدنا إلى صورتنا الأولى؟

هل نريد عدالة تحرس امتيازنا، أم رحمة توسع المائدة؟

البيت مفتوح، لكن الدخول يتطلّب موت صورة مصنوعة بأيدينا عن الله، لنكتشف الله الذي خلقنا على صورته.

إما أن نقبل أن نعود أبناء فنصير إخوة، أو نبقى غرباء نحرس أبواب بيتٍ لا ندخله.

هناك، عند عتبة القرار، يبدأ عيش  الخلاص حقًا.