كتّاب المحبّة

"الروح القدس يجعل منا شهودًا للمسيح ورسلاً للسلام"

"الروح القدس يجعل منا شهودًا للمسيح ورسلاً للسلام"

تدعونا كلمة الله في هذا الأحد إلى التأمل في معنى رسالتنا كمسيحيين. فالرب لا يدعو بعض الأشخاص فقط ليخدموه، بل يدعو كل معمّد ليكون شاهدًا لمحبته ورسولًا لسلامه. وتكشف لنا القراءات الثلاث أن هذه الرسالة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الروح القدس، وشهادة الحياة، وإعلان السلام.

أولًا: الروح القدس يجمعنا ويقوّينا في الخدمة.

في القراءة الأولى، نرى موسى يشعر بثقل المسؤولية، فيأتي الله ليشاركه العبء من خلال سبعين شيخًا يحلّ عليهم الروح القدس.

إن الله لا يريد أن يحمل أحد الرسالة وحده، بل يريد أن تعمل الكنيسة بروح الشركة والتعاون. فالروح القدس يوزع مواهبه على الجميع من أجل خير الجماعة، ولا يحتكر عطاياه لأحد.

ويقول القديس أفرام السرياني إن الروح القدس يشبه نارًا تُشعل مصابيح كثيرة من دون أن تنطفئ. هكذا تزداد الكنيسة غنى كلما وضع المؤمنون مواهبهم في خدمة بعضهم البعض.

وفي حياتنا اليوم، يدعونا الرب إلى أن نترك الفردية، وأن نبني عائلاتنا ورعايانا وجماعاتنا بروح المحبة والتعاون، لأن الكنيسة تنمو عندما يسير أبناؤها معًا.

ثانيًا: حياتنا هي أول بشارة بالإنجيل.

يقول القديس بولس للمؤمنين:

"أنتم رسالة المسيح… مكتوبة بروح الله الحي."

إن أجمل طريقة لنبشر بالمسيح ليست الكلمات فقط، بل الحياة التي تعكس حضوره.

كان القديس يوحنا الذهبي الفم يقول إن الناس يقرأون حياة المؤمن قبل أن يقرأوا الإنجيل. لذلك فإن الصدق، والتواضع، والغفران، والمحبة، كلها إعلان حي للمسيح.

ولهذا قال القديس يوحنا بولس الثاني:

"العالم يحتاج إلى شهود أكثر مما يحتاج إلى معلمين.”

فالعائلة المتماسكة، والشاب الأمين، والكاهن الخادم، وكل إنسان يعيش الإنجيل بأمانة، يصبح رسالة يكتبها الله في هذا العالم.

ثالثًا: المسيح يرسلنا لنحمل السلام.

في الإنجيل يرسل يسوع التلاميذ السبعين، لكنه لا يطلب منهم أن يحملوا القوة أو الغنى، بل أن يدخلوا البيوت قائلين:

"سلام لهذا البيت."

فالسلام هو أول عطية يقدمها التلميذ، لأن المسيح نفسه هو سلامنا.

لقد أرسلهم اثنين اثنين، ليعلّمنا أن الرسالة تُعاش في الشركة، وأرسلهم بفقر وتجرد، ليبقى اعتمادهم على الله لا على الإمكانات البشرية.

ويذكّرنا البابا فرنسيس بأن الكنيسة مدعوة إلى أن تكون “بيتًا مفتوحًا للجميع”، تحمل الرجاء ولا تنشر الخوف، وتصنع الجسور بدل الجدران.

إن عالمنا اليوم يحتاج إلى أشخاص يزرعون السلام في بيوتهم، وفي أماكن عملهم، وفي مجتمعهم، أكثر مما يحتاج إلى كلمات كثيرة.

تدعونا كلمة الله اليوم إلى أن نسأل أنفسنا:

هل أسمح للروح القدس أن يقود حياتي؟

هل أصبحت حياتي رسالة تقود الآخرين إلى المسيح؟

وهل أكون صانع سلام حيث أعيش؟

فلنطلب من الرب أن يملأنا من روحه القدوس، حتى نصبح، على مثال القديس شربل في هذا الشهر المبارك وجميع قديسي كنيستنا، شهودًا أمناء للإنجيل، نحمل إلى العالم سلام المسيح ورجاءه، لأن الكنيسة التي يقودها الروح القدس تبقى دائمًا كنيسةً مرسلة، شاهدة، وصانعة سلام.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم