كتّاب المحبّة
على خُطى الحويّك: "حين صار الرغيف رسالة"
ليست كلُّ الأرغفة تُخبز في الأفران. بعضها يُخبز في القلوب. كان لبنان يومها يأكل أبناءه. لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرّد أخبار تأتي من أوروبا، بل كانت جوعًا يمشي على الطرقات، وبيوتًا أطفأت مواقدها، وأطفالًا غلبت عيونهم الواسعة أجسادهم النحيلة.
كان الجبل يئنّ. والسماء، على اتساعها، تبدو بعيدة. وفي بكركي، لم يكن البطريرك الياس الحويّك يجلس خلف مكتبه يعدّ الرسائل. كان يعدّ الأرغفة.
لعلّ هذه الصورة تبدو غريبة. لكنّها أقرب إلى الحقيقة من كثير من الخطب. لقد أدرك منذ الأيام الأولى أن الجائع لا يستطيع أن يُصغي إلى المواعظ قبل أن يجد ما يسند به حياته. وأن الكنيسة التي تكتفي بالكلام في زمن المجاعة، تُفرغ الإنجيل من معناه. لهذا تحوّل الصرح البطريركي إلى خلية عمل.
رسائل إلى الشرق. ورسائل إلى الغرب. وموفدون يعبرون البحار. ومغتربون يرسلون ما استطاعوا من المال والقمح. وكان الحويّك، في قلب هذه الحركة كلّها، لا يرى في المساعدات إحسانًا، بل واجبًا. فالكنيسة، في نظره، ليست مؤسسة خيرية. إنها أمّ. والأمّ لا تتصدّق على أولادها. الأمّ تطعمهم لأنها أمّ.
كم من ليلةٍ نام فيها وهو يفكر في قريةٍ لم يصلها الطحين. وكم من صباحٍ بدأه برسالة جديدة، يرجو فيها عونًا لأناسٍ لا يعرف أسماء معظمهم، لكنه يعرف أنهم أبناؤه. لم يكن يسأل: من أي حزب هم؟ ولا: إلى أي عائلة ينتمون؟ ولا: أيّ موقف سياسي يحملون؟ كان يسأل سؤالًا واحدًا: هل هم جائعون؟ وحين يكون الجواب نعم... كان كلّ شيء آخر يصبح تفصيلًا صغيرًا.
في تلك السنوات القاسية، لم يحمل الحويّك شعبه بالخطابات. حمله بالرغيف. ولعلّ هذا هو السبب الذي جعل الناس يثقون به. فالإنسان لا ينسى من وقف إلى جانبه عندما كان الخبز أغلى من الذهب.
بعد انتهاء الحرب، بقيت آثار المجاعة محفورة في ذاكرة اللبنانيين. لكنها تركت أيضًا أثرًا آخر. لقد كشفت لهم صورة الراعي الحقيقي. ذلك الذي لا يختبئ خلف المذبح حين يجوع الناس، بل ينزل من الهيكل، ويحمل عنهم شيئًا من ثقل الصليب.
كم نحن بحاجة، في زمننا، إلى هذا الدرس. فالجوع لم يعد دائمًا جوعًا إلى الخبز. هناك من يجوع إلى الكرامة. ومن يجوع إلى الحقيقة. ومن يجوع إلى من يسمعه. لكن المبدأ يبقى واحدًا. لا يستطيع الإنسان أن يسمع كلمة الله إذا شعر أن أحدًا لا يسمع أنينه.
لقد فهم الحويّك هذه الحقيقة مبكرًا. ولذلك، لم يكن الرغيف الذي وزّعه مجرد طعام. كان رسالة. وكان الإنجيل، يومها، يُقرأ... على شكل رغيف.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية