كتّاب المحبّة
"بيروت… حين لم ينتصر الركام"
ليست بعضُ التواريخ أرقامًا تُدوَّن على صفحات الروزنامة ثم تمضي.
ثمّة أيّامٌ تخرج من الزمن،
وتأبى أن تغادر الذاكرة.
أيّامٌ تسكن في الوجوه، وفي الأمكنة،
وفي القلوب التي حملت وجعًا عجزت الكلمات عن وصفه.
والرابع من آب
ليس مجرّد ذكرى نستعيدها،
بل جرحٌ نحمله معنا.
جرحٌ يطلّ من النوافذ التي أعاد الناس ترميمها،
ومن الشوارع التي حاولت أن تستعيد نبضها،
ومن صور الأحبّة الذين خرجوا ذات يومٍ عاديّ،
ولم يعودوا.
في ذلك المساء،
لم ينكسر الحجر وحده.
كان هناك شيءٌ في أعماقنا
قد تصدّع أيضًا.
انكسرت طمأنينةٌ ظنناها ثابتة،
وتهاوت أوهامُ الأمان
في لحظةٍ واحدة.
صار صوت الانفجار
أبعد من حدود المكان،
وأعمق من حدود الجرح؛
فدخل ذاكرة وطنٍ بأكمله.
ومنذ ذلك اليوم،
صار في قلب بيروت
وجعٌ لا يشيخ…
لكنّ العجيبة ليست أنّ المدينة جُرحت.
فالمدن، مثل البشر،
تعرف الدموع والتعب والندوب.
إنّما العجيبة أنّ الجرح
لم يتحوّل إلى يأس.
وأنّ الركام لم ينتصر.
وأنّ الإنسان، رغم ما فقد،
وجد في داخله قوّةً خفيّة
تدعوه إلى الوقوف من جديد.
في اليوم التالي،
لم يخرج الناس حاملين أسئلتهم فقط،
بل خرجوا يحملون بعضهم بعضًا.
كان هناك من يرفع حجرًا،
ومن يمسح دمعة،
ومن يفتح باب بيته،
ومن يزرع كلمة رجاءٍ في قلبٍ أنهكه الألم.
وكأنّ بيروت، في قلب نزيفها،
كانت تكتشف من جديد
أنّ ما يحفظ المدن ليس حجارتها وحدها،
بل قلوب الذين يحبّونها.
ولهذا، حين نستذكر الرابع من آب،
لا نستذكر انفجارًا فقط.
نستذكر وجوهًا أحببناها،
وأسماءً صارت صلاة،
وأحلامًا توقّفت قبل أن تكتمل.
لكنّنا نستذكر أيضًا
كلّ يدٍ امتدّت لتُعين،
وكلّ قلبٍ رفض أن يترك أخاه وحيدًا،
وكلّ شعلة رجاءٍ بقيت مضيئة
في قلب العتمة.
تبقى الجراح، ويبقى الحنين،
ويبقى السؤال الذي لا يجد الإنسان له دائمًا جوابًا كاملًا.
لكن يبقى أيضًا ما هو أعمق من السؤال.
يبقى الإيمان
بأنّ الله لا يغيب عن تاريخ الإنسان،
ولا يترك أبناءه وحدهم في قلب الألم.
إنّه حاضرٌ في صمت القلوب المتألّمة،
في دموع الذين فقدوا،
وفي الأيدي التي امتدّت لتبني من جديد.
لا يلغي الوجع،
لكنّه يمنع الوجع من أن يكون النهاية.
لا يمحو الندوب،
لكنّه يمنحها معنى جديدًا.
فالإيمان لا يعدنا بحياةٍ بلا جراح،
بل يكشف لنا أنّ الجراح، مهما بلغت،
لا تملك الكلمة الأخيرة.
ولهذا، لا نقف أمام الرابع من آب
لنعدّ الخسائر فقط،
بل لنشهد أيضًا
أنّ الحياة كانت وما زالت
أقوى من كلّ ما أراد لها أن تنكسر.
وأنّ بيروت،
في كلّ مرّةٍ سقطت فيها،
نهضت لا بقوّة حجارتها،
بل بقوّة الرجاء الساكن في أبنائها.
فبعض المدن تُبنى بالإسمنت،
أمّا بيروت فتُبنى بالمحبّة،
وبدموعٍ لم تفقد إيمانها،
وبقلوبٍ رفضت أن تستسلم.
لأنّ الركام لم يكن يومًا النهاية.
ولأنّ الله، حتى في أكثر اللحظات ظلمة،
يبقى يزرع بذور حياةٍ جديدة.
فالكلمة الأخيرة ليست للانفجار، ولا للدموع، ولا للموت…
الكلمة الأخيرة للحياة.
الخوري شربل الشمالي
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه