كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم الطريق"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم الطريق"

يُروى أن فتاةً صغيرةً طيّبةً كانت تعيش مع والديها بفرح وسلام، خُطِفت في يومٍ من الأيام، لأجل ثأر بين بشرٍ أشرار. وجرى هذا لمّا وصل البلدة في أحد الأيام رجالٌ لابسين معاطف طويلة داكنة، ومعتمرين نظارات سوداء وقبعات غريبة، وتوقفوا على الطريق الذي تسلكه الطفلة عادة إلى المدرسة.  

وما أن ألقوا القبض على الصغيرة، حتى صعدوا إلى ظهور الخيل وانطلقوا بسرعة كالبرق نحو الغابة المحيطة بالقرية. وكانت هذه الغابة مكتظّة بالشجر، وملجأً للصوص وقطّاع الطرق، يخاف عبورها أي إنسان من القرية لشدّة وحشتها. 

فحمل هؤلاء الرجال الذين بدون رحمة الطفلة وتوجهوا بها إلى قلب الغابة، حيث تتشابك الاشجار بشكل لا يسمح باختراقه، وتركوها هناك لوحدها وغايتهم أن تضيع إلى الأبد. ومن شدّة الخوف، كانت الطفلة تبكي طوال الطريق، وتصرخ وتردّد الصلاة التي علّمتها إياها أمّها: "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمًة.... " 

وبعد أن رحل الخاطفون، التجأت الطفلة إلى جزع شجرةٍ كبيرةٍ، ووقفت هنالك تتابع صراخها مع شهقات اليأس والخوف: "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمًة...."

وفجأة، حيث كانت تتساقط دموعها، أي عند قدميها، نبتت وردة جميلة جدًّا؛ زهرة ذات أوراق ناعمة مثل القُبلة العامرة بالحب والحنان. ونظرت الطفلة إلى الأمام، بين أوراق الشجر والحشيش الذي يغطي الأرض، فرأت وردة أخرى مثلها، ومن ثم أخرى، وأخرى، وأخرى... وكانت هذه الورود تشكلّ مثل الطريق بين أشجار الغابة.

 في البداية، بدأت الطفلة تتنقل من وردة إلى أخرى بتردّد، ثم بعدها مهرولة. وبعد وقت، وصلت إلى طرف الغابة، ووجدت نفسها بين ذراعي أمّها وأبيها. وكان قد رأيا هما أيضاً هم أيضًا طريق الورود، وانطلقا فيه للبحث عنها. 

ذلك، لأن الأم والأب، كانا يتابعان هما أيضًا صلاة "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمًة.... ". وصلاة "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمًة.... " هذه التي رددها الوالدان والطفلة بثقة طوال وقت هذه المحنة الصعبة، هي التي صارت طريق الورد في وحشة الغابة؛ الطريق الذي أعادهم لبعضهم البعض سالمين. 

العبرة: بقدر ما نجتمع ونوّحد قلوبنا للصلاة معاً بلا انقطاع مردّدينَ "السلام عليك يا مريم، يا ممتلئة نعمًة.... "، سَيُزْهِرُ لنا طريقٌ يساعدنا ألا نتيه مهما زادت الوحشة والظلمة في وسط غابة هذا العالم. وفي نهاية المطاف، سيقودنا هذا الطريق بالتأكيد إلى أحضان الآب في السماء.

كلمة الله: " وكانوا يُواظبون كُلُّهم على الصَّلاةِ بقَلبٍ واحدٍ، مع بعضِ النساءِ ومَريمَ أُمِّ يسوعً وإخوته...وفي تلك الأيام خطَب بُطرسُ في الأخوة...فقال..."يجبُ ان نختار واحداً منهم ليكونَ شاهدًا على قيامة يسوع... ثُم اقترعوا فأصابتِ القُرعةُ مَتِّياسَ، فانضَمَّ إلى الرُّسلٍ الأحدَ عشرَ (أعمال 1/14 و22 و26). 

تأمل: طوبى لك يا سلطانة السلام

طوبى لك يا مريم، لأنك رضيت بملء حريتك وبحبٍّ وفرح عظيمين أن تقبل في أحشائك كلمة الله، الذي به كلّ شيء كوّن، ويأخذ منك الطبيعة الإنسانية كي يخلص الناس ويوحدّهم كلّهم فيه.

هنيئاً لك يا مريم، لأنك قبلت ابن الله في قلبك وعقلك، وتأملته وأصغيت له فآمنت به ربّاً وإلهاً، أقامه الآب من بين الأموات، وأجلسه عن يمينه وسلّمه الملك ليوحد تحت إمرته أبناء الله المشتتين في العالم. 

السعادة لك يا مريم، يا من بقيت ثابتة في إيمانك بعد موت ابنك على الصليب، وجمعت رسله تحت ظلالك وصليت وانتظرت معهم حلول الروح القدس، لينطلقوا ويحملوا بشرى الإنجيل القادرة أن توحد كل البشرية في عائلة واحد. 

هنيئاً لك يا ابنة الآب المفضلّة وهيكل الروح القدس، يا من بقيت متحدّة ببشريتك مع كل الذين هم بحاجة إلى الخلاص، وتساهمين بنعمة خاصة من ابنك الذي كرّسك أمّا للرسل، كي يولد في الكنيسة المؤمنون، ويكونون أعضاء جسد المسيح الواحد.  

السعادة لك يا مريم، لأنك تستمّري بتدبير النعمة الإلهية في دورك الأمومي الذي بدأته في عين كارم مع خدمة نسيبتك أليصابات، وفي عرس قانا الجليل، وصحبة يوحنا الحبيب، ويوم العنصرة، فتصغي بحبك الأمومي إلى إخوة ابنك الذين لم يكملوا غربتهم، وتتشفعي لهم وتستمطري لهم النعم ليتخطوا المحن والتجارب ويصلوا إلى الوطن السماوي ويتحدوا بالأبرار والصديقين. 

طوبى لك يا مريم ولنا، لأننا إذا التجأنا إليك وصلينا معك، فستفتحين قلبنا لنفهم أكثر فأكثر عظمة وأهمية وحدتنا بأبناء رعيتنا، ولن نرتاح ولن نفرح إلاّ حين نتضامن معهم في الصلاة والمحبّة. آمين. 


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم