كتّاب المحبّة

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم باب السماء"

في عيد انتقال العذراء إلى السماء: "مريم باب السماء"

كان ألدبرندو، سيد إحدى المقاطعات الإيطالية، صاحب طبع سيء. فمنذ طفولته كان مزعجاً وعنيفاً يستخف بكل أبناء مملكة أبيه المسالم. وشبّ على هذا الطبع، فما اهتم بتثقيف نفسه، بل دأب على تمضية وقته في التمرّس على لعب السيف والعبث والمجون واللهو دون ملل مع زمرة من الرفاق تشبهه. ولمّا أصبح امير إحدى المقاطعات التي يملكها والده، لم يكن له منازع بين أشجع الفرسان وأكثرهم خبرة. فقرر بناء جيش قوي من رجال بأس عنيفين. ولم يمض وقتٌ طويل حتى صارت كلّ المقاطعات المجاورة لإمارته عارفة بجيش ألدبرندو الرهيب، الذي لا يمكن لسور أو مقاومة أن يقفا في وجهه مهما عظما. لذلك، لم يتوان الأسياد والأمراء أن يسارعوا مرّة إلى إعطائه مفاتيح مدنهم وقصورهم وأسوارهم، قابلين الخضوع لشروطه القاسية. 

وحده أحد الأخوة المتواضعين، في دير جاء ألدبرندو مع جيشه لينهب كؤوسه الذهبية وذخائره الثمينة والنادرة التي لا تقدر بثمن، وقف بوجهه غير عابئ بتهديده قائلاً له: "يمكنك أن تدخل من خلال هذه الأبواب بالقوّة، لكنك لن تستطيع أن تدخل أبواب السماء". وأجاب ألدبرندو بعجرفة: "إذا كان يوجد في السماء أبواباً، سأدخل على حصاني، أمام كل جيشي". وهكذا قام ألدبرندو بتدمير الأبواب ونهب الدير، تاركاً وراءه الخراب.

لكن، مع إشراقة كلِّ صباح وغياب كلِّ شمس، كانت كلمات الأخ المتواضع تراوده وتقلق باله: "أبواب السماء". لقد بدا له أمر مستحيل أن يوجد أمرٌ لا يستطيع هو الجبّار الاستيلاء عليه. وحرّك إصبعه نحو السماء وصرخ بصوت عنيف: "إذا كان هنالك من باب للسماء، فأنا سأجدها".

ومرّت الأيام وألدبرندو قلق يفكّر في أبواب السماء. وترك كل شيء وأخذ يفتش عن أبواب السماء. وهام في بقاع الأرض يسأل كل كبير وصغير، فكان هذه يضحك منه وآخر يشمئز، وغيره يغلق الباب في وجهه. وأخذت ثيابه تتمزق عليه وشعره ولحيته تطولا، حتى صار كمتسول وشحّاذ. ولمّا يئس من إيجاد الجواب عاد إلى دياره، فلم يكن من يعرفه. 

ولم اقترب من قلعته التقى بعجوز تحمل على كتفها جرّة ماء، فتقدّم منها وحيّاها وسألها إذا كانت بحاجة للمساعدة. طبعاً هذا التحوّل الكبير في حياته، اكتسبه منذ تخلّى عن العنف والقوّة. وما أن وصلا إلى مكان قريب من قلعته حتى قالت له السيدة لقد وصلت، مع أنه لم يكن مِنْ منزلِ هُناك فتعجّب. وأشارت إلى مزار للعذراء وقالت احمل المياه للعذراء. فتقدم ليضع لها المياه حيث تريد فقرأ باللغة اللاتينية كلاماً لم يفهمه محفور أمام تمثال العذراء. فسأل السيدة عن معنى هذا الكلام فقالت له: " أبواب السماء". ولم يصدّق ما سمعت أذنيه، فقال "أبواب السماء" التي بحثت عنها وما تركت مكاناً إلاّ وفتشته، كانت بالقربٍ مني!. وفجأة رأى السيدة العجوز تتحول إلى فتاة تتألق جمالاً وتشع نوراً، فتفرّس فيها ورأها تشبه العذراء التي كانت في المزار. فسجد باحترام وخشوع وأخذ يتضرّع إليها. فقالت له العذراء: "لقد كنت تحصل على كل شيء بالقوّة والعنف. ولكن الآن، وقد تحوّلت إلى إنسان طيّب تحب الجميع. فإني أدعوك لتدخل معي أبواب السماء". فلم يصدّق من فرحه هذه الدعوة فصرخ: "خديني الآن معك" فابتسمت له ومدّت يدها.

وفي اليوم التالي، وجد أهل القلعة سيدّهم ميتاً وهو بعد ساجد وعيناه معلقتان بالسماء…

العبرة: لا يدخل أبواب السماوات إلاّ الإنسان المتواضع والمُحبّ. وكلّ من يلتجأ لمريم العذراء تفتح عينيه على هذه الرؤيا وتساعده ليجد الطريق.

كلمة الحياة: "فقالت مريمُ: تُعظّمُ نفسي الرَّبَّ وتبتهج رُوحي بالله مُخلّصي لأنه نَظَر إليّ أنا خادمتُهُ الوضيعة! جميع الأجيال سَتُهَنّئُني لأن القدير صنعَ لي عظائِمَ. قدّوسُ اسمُهُ ورحمتُه من جيلٍ إلى جيلِ للذينَ يخافونَهُ. أظهرَ شِدّةَ ساعدِهِ فبَدَّدَ المُتكَبرين في قُلوبِهم. أنزَلَ الجبابرَة عن عُروشِهم ورفَع المتواضعين" (لقوا 1/46-48 و51-52).

 

تأمل: طوبى لك يا إناءً روحياً

طوبى لك يا مريم، لأنك حظيت برضى الله الآب فأعطاك لاستحقاقات المسيح دوراً أمومي له تأثيره في خلاص البشر، دون أن يحجب أو ينقص بشيء وساطة المسيح، بل يرتكز عليها ويستمد كل قوته منها، ويعززها ويظهر قوتها.  

هنيئاً لك يا مريم، لأنك مع كونك أمّ الله الابن لم تَعُدِّ هذه المقام العظيم الذي وهب لك من الله الآب مرتبةً ترفعك فوق البشر، بل شرفاً حملته وأديت به باتحاد مع البشرية وباسمها أعذبَ وأصدقَ نشيد شكر وتسبيح واعتراف للعليّ ولعظائمه التي يصنعها في المتواضعين.  

السعادة لك يا إناءً روحياً حمل "نور العالم" دون أن يحجب إشعاعه، بل تمتع بدفئه وتركه ينعكس بأبهى أنواره في كلّ اتجاه وصوب حتى أقاصي الأرض.

طوبى لك يا مريم، لأن بتأملك ممجدّة الآن في السماء بجسدك وروحك تنقشع الرؤيا لكل شعب الله في حجّه على هذه الأرض، فيرى فيك علامة العزاء والرجاء الأكيد لتحقيق الوعد بدخول الحياة الأبدية. 

هنيئاً لك يا مريم، لأنك تجذبي النفوس إليك بجمالك وفضائلك وقداستك، لا لتبقيهم على قدميك أو في حضنك، بل لتفتح بصيرتهم على رؤيا مجد ابنك الذي ينتظرهم، وتقوّي ركبهم المرتخية وتشدّدي عزيمته للسير بإيمان وحب ورجاء نحوه.  

السعادة لك يا مريم ولنا، لأننا إن أحببناك فتعليمينا أن نحبّ ابنك، وإن أكرمناك كأم فستحمليننا على أن نعرف ابنك بحق، ونمجدّه ونُكرّمُه هو ونحفظ وصاياه، وإن اقتدينا بفضائلك فستحثيننا على نأتي إلى رؤيا النبع الذي منه شربت ورويت ظمأك، لنشرب بدورنا وننعم بالخير والسلام. آمين. 


الخوري شوقي كرم

دكتور في اللاهوت الخلقي الأساسي

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم