كتّاب المحبّة
"حين ننسى مَن نكون..."
نقضي سنواتٍ طويلة
نحاول أن نكون كما يريدنا الآخرون.
نقول ما يُرضيهم،
ونصمت عمّا يؤلمنا،
ونوافق حين نريد أن نرفض،
ونبتسم حين يكون في داخلنا
ما لا يشبه الابتسامة.
نتعلّم، شيئًا فشيئًا،
كيف نصنع من أنفسنا نسخةً
تصلح لكلّ مكان،
حتى ننسى، في النهاية،
أيّ نسخةٍ كانت تشبهنا حقًّا.
نخشى أن نخيّب أحدًا،
فنخذل أنفسنا.
ونخشى أن نخسر الناس،
فنخسر في سبيلهم
شيئًا من أرواحنا
كلّما حاولنا أن نكون
كما يريدون.
نحسب أنّ المحبّة
أن نرضي الجميع،
وأنّ الطيبة
أن نقول «نعم» دائمًا،
وأنّ السلام
أن نتنازل عن أنفسنا
كي لا يحدث صدام.
لكنّ الإنسان لا يستطيع
أن يعيش طويلًا بعيدًا عن حقيقته.
قد يستطيع أن يُرضي كثيرين،
وقد ينجح في أن يبدو كما يريدون،
لكنّه، في أعماقه،
يبقى يفتّش عن نفسه.
وربما أصعب ما في الأمر
ليس أن يرفضنا الآخرون،
بل أن نكتشف
أننا تخلّينا عن حقيقتنا
كي لا يرفضونا.
ثم يأتي الله…
لا ليسألنا:
لماذا لم تكن مثلهم؟
بل ليسألنا،
كما لو أنّ السؤال يعبر الزمن
ليصل إلى قلب كلّ إنسان:
أين أنت؟
أين أنت من نفسك؟
أين أنت من قلبك؟
أين أنت من الإنسان الذي دعاك الله أن تكونه،
قبل أن تُثقلك نظرات الآخرين
وتُربكك أحكامهم؟
فالله لا ينظر إلينا
كما ينظر الناس.
الناس يرون الصورة،
أمّا الله فيرى الإنسان.
الناس يقيسون النجاح بما ظهر،
أمّا الله فيعرف ما خفي.
والناس قد يحبّون فينا
ما يوافق توقّعاتهم،
أمّا الله فيحبّنا
قبل أن نُثبت شيئًا،
وقبل أن ننجح،
وقبل أن نصير ما نظنّ أنّ علينا أن نصيره.
لهذا،
فإنّ قيمتنا ليست شيئًا ننتزعه من العالم،
ولا شهادةً يمنحنا إيّاها الآخرون.
قيمتنا أعمق من ذلك.
نحن لسنا مشروعًا مفتوحًا
على تصفيق الناس،
بل خليقةٌ أرادها الله،
ودعاها إلى الوجود،
وأودع في كلّ إنسانٍ
سرًّا لا يشبه سرّ إنسانٍ آخر.
ولهذا لا يريد الله منّا
أن نكون نسخةً من أحد.
لا يريد لنا حياةً مستعارة،
ولا قلبًا يعيش على مقاس الآخرين.
إنّه يدعونا إلى أن نكتشف
من نكون أمامه،
وأن نصير، بنعمته،
ما خُلقنا لنكونه.
وربما تكون الحرية الحقيقية
أن نتوقّف عن سؤال الناس:
«كيف تريدونني أن أكون؟»
ونبدأ بالسؤال الذي يغيّر كل شيء:
«يا رب، من أريدُ أن أكون في عينيك؟
وإلى أيّ إنسانٍ تدعوني؟»
هناك يبدأ الإنسان في استعادة نفسه.
لا حين يصفّق له الجميع،
بل حين يصالح قلبه مع الحقيقة.
لا حين يصبح محبوبًا عند الجميع،
بل حين يعرف أنّه محبوبٌ عند الله.
ولا حين يصير كاملًا،
بل حين يتوقّف عن الهرب من ذاته
ويبدأ، بثقة،
في السير نحو الدعوة التي أُعطيها.
ففي النهاية،
لسنا مدعوّين إلى أن نكون
ما يريده الناس منّا.
نحن مدعوّون إلى أن نكون
ما أراده الله لنا.
وهذه ربما أعظم حريةٍ يمكن أن يبلغها الإنسان:
أن يعيش بوجهٍ واحد،
وقلبٍ واحد،
وحياةٍ واحدة…
وأن يعرف، في أعماقه،
أنّه حين يكون هو أمام الله،
لا يحتاج بعد ذلك
أن يكون أحدًا آخر أمام العالم…
الخوري شربل الشمالي
الأبرشية البطريركية المارونية - منطقة جونيه