كتّاب المحبّة

الاحد الرابع عشر من زمن العنصرة: "الحاجة إلى واحد"

الاحد الرابع عشر من زمن العنصرة: "الحاجة إلى واحد"

 * اسمع قبل أن تعمل

"اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا هو الرب الواحد. فتحبّ الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك".

تبدأ قراءات اليوم بكلمة صغيرة، لكنها تحمل كل الحياة الروحية: «اسمع".

الله لا يقول أولًا: اعمل، اركض، أنجز، اخدم… بل يقول: اسمع.

قبل أن نتكلم مع الله، علينا أن نتعلم الإصغاء إليه. وقبل أن نعمل من أجله، علينا أن نتعلم أن نكون معه. وقبل أن نعطي كلمته للآخرين، علينا أن نسمح لكلمته أن تدخل إلى قلبنا.

وهذا ما فعلته مريم. جلست عند قدمي يسوع وكانت تسمع كلامه.

كان القديس يوحنا بولس الثاني يكرر أن القداسة تبدأ من الصداقة مع المسيح، لأن المسيحي لا يستطيع أن يشهد للمسيح إذا لم يكن قد التقى به أولًا.

وقد عبّر البابا بندكتوس السادس عشر عن هذا المعنى بوضوح عندما قال إن المسيحية ليست أولًا فكرة أو برنامجًا أخلاقيًا، بل هي لقاء مع شخص، مع يسوع المسيح، الذي يعطي الحياة اتجاهًا جديدًا.

وهذا هو الفرق بين أن نعرف عن يسوع وأن نعرف يسوع.

قد نعرف الكثير عن الإنجيل، وعن الكنيسة، وعن الصلاة، وعن الليتورجيا، ولكن السؤال الأهم هو:

هل أنا أعرف المسيح؟ هل أعيش معه؟ هل أسمع صوته؟

القديس أوغسطينوس، بعد رحلة طويلة من البحث، اكتشف أن قلب الإنسان لا يجد راحته إلا في الله، فقال كلمته الشهيرة:

«لقد خلقتنا لك، وقلبنا لا يزال قلقًا حتى يستريح فيك».

كم يشبه هذا الإنسان المعاصر!

نبحث عن الراحة في أشياء كثيرة: في المال، والنجاح، والسفر، والعمل، وعلاقات الناس، وفي أن نكون مقبولين ومقدَّرين. ومع ذلك يبقى في الداخل شيء ناقص.

لأن القلب، في النهاية، لا يحتاج إلى أشياء كثيرة بقدر ما يحتاج إلى الواحد الضروري: الله.

لذلك، ربما يسألنا الرب اليوم: هل ما زلت تعرف كيف تجلس عند قدميه؟

ربما خمس دقائق في الصباح مع الإنجيل. ربما لحظات صمت أمام القربان. ربما صلاة قصيرة أثناء الطريق.

ربما أن نغلق الهاتف قليلًا ونفتح قلبنا لله.

فكلمة الله لا تريد أن تبقى في الكتاب؛ تريد أن تنزل إلى القلب، ومن القلب إلى الحياة.

* مرتا: عندما تتحول الخدمة إلى قلق

يقول الإنجيل: "مرتا، مرتا، أنت تهتمين وتضطربين لأمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد".

من المهم أن نفهم أن يسوع لم يرفض خدمة مرتا.

مرتا كانت تحب يسوع، وفتحت له بيتها، وكانت تريد أن تخدمه. المشكلة لم تكن في الخدمة، بل في الاضطراب الذي دخل إلى قلبها.

بدأت تخدم يسوع، ثم بدأت تنظر إلى أختها. بدأت بمحبة، ثم دخلت المقارنة. بدأت بفرح، ثم دخل التذمر.

"يا رب، أما تبالي بأن أختي تركتني أخدم وحدي؟"

وهنا نجد أنفسنا نحن أيضًا.

كم مرة نبدأ عملًا جيدًا، ثم نتعب لأن أحدًا لم يشكرنا؟

كم مرة نخدم، ثم نقول: "لماذا أنا دائمًا؟"

كم مرة نعطي، ثم ننتظر أن يعترف الآخرون بعطائنا؟

وهكذا يصبح العمل الذي بدأ محبةً مصدرًا للمرارة.

يقول القديس فرنسيس الأسيزي في إحدى صلواته بمعنى عميق: «يا رب، اجعلني أطلب أن أحب أكثر من أن أكون محبوبًا".

هذه هي الخدمة المسيحية. أن أخدم لأنني أحب، لا لكي يُقال عني إنني أخدم. أن أعطي لأن المسيح أعطاني، لا لكي أسمع كلمة شكر. أن أعمل الخير حتى لو لم يرَه أحد.

وقد أعطانا القديس الأمين للرحمة، يوحنا بولس الثاني، مثالًا حيًا عندما جعل خدمته كلها تقوم على الإنسان، وعلى كرامته، وعلى المحبة التي لا تسأل أولًا: ماذا سأحصل أنا؟

والقديسة تريزا الطفل يسوع اكتشفت شيئًا عظيمًا: أن القداسة لا تحتاج دائمًا إلى أعمال عظيمة. يمكن أن نصبح قديسين من خلال الأعمال الصغيرة التي نقوم بها بمحبة كبيرة.

وهذا مهم جدًا في حياتنا اليومية.

قد لا نستطيع أن نغيّر العالم، لكن نستطيع أن نغيّر لحظة في حياة إنسان.

كلمة طيبة قد تعيد الفرح إلى شخص حزين. زيارة مريض قد تمنحه الرجاء. ابتسامة قد تخفف عن إنسان مثقل. مغفرة قد تعيد علاقة انكسرت.

صبرنا على شخص صعب قد يكون بالنسبة إليه اختبارًا حقيقيًا لمحبة الله.

إذن، السؤال ليس فقط: كم فعلنا؟ بل: كم أحببنا ونحن نفعل؟

القديس بولس يعطينا في القراءة الثانية أجمل مثال. يقول: « وكنا لطفاء معكم، كما تكون الأم التي تحيط أبناءها برعايتها». ثم يقول: « كنا نكنّ لكم محبة شديدة، حتى كنا مستعدين لأن نعطيكم، لا إنجيل الله فقط، بل أنفسنا أيضًا».

هذه هي الخدمة المسيحية: لا أن أعطي شيئًا فقط، بل أن أعطي نفسي.

* قلب مريم وأيدي مرتا.

قد نخطئ إذا فهمنا الإنجيل وكأنه يضع مريم ضد مرتا.

يسوع لا يقول لنا: كونوا مريم ولا تكونوا مرتا.

بل يريد أن يعلمنا أن نكون مريم في القلب ومرتا في اليدين.

أن نصغي مثل مريم، وأن نخدم مثل مرتا. أن نصلي، ثم ننزل إلى حياة الناس. أن نجلس عند قدمي المسيح، ثم نقوم ونحمل محبته إلى إخوتنا.

وهنا نتذكر كلمات البابا فرنسيس التي كان يكرر فيها أن المسيحي لا يستطيع أن يبقى منغلقًا على نفسه، وأن الكنيسة مدعوة إلى أن تخرج إلى الآخرين وتحمل إليهم فرح الإنجيل.

لكن هناك خطرًا آخر: أن نخرج إلى العالم وننسى من أرسلنا. ولهذا يقول يسوع: « أنا الكرمة وأنتم الأغصان. من يثبت فيّ وأنا فيه، فهذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تستطيعون أن تفعلوا شيئًا».

"يثبت فيّ"

هذه هي الكلمة الأساسية. لا يمكن للغصن أن يعطي ثمرًا إذا انفصل عن الكرمة. ولا يمكن للمسيحي أن يعطي محبة حقيقية إذا انقطع عن مصدر المحبة.

الأم التي تعطي لعائلتها تحتاج أن تشرب من محبة الله.

الكاهن الذي يخدم شعبه يحتاج أن يجلس عند قدمي المسيح.

الأب والأم يحتاجان إلى الصلاة حتى لا تتحول مسؤولياتهما إلى تعب ومرارة. كل إنسان يخدم في الكنيسة يحتاج إلى أن يتذكر أن الكنيسة ليست مشروعه الشخصي، وأن الخدمة ليست ملكًا له.

القديس توما الأكويني يقول بمعنى عميق إن التأمل في الله يفيض إلى العمل؛ فالإنسان الذي امتلأ بالله لا يستطيع أن يبقى غير مبالٍ تجاه أخيه.وهذا ما نراه بوضوح في حياة القديسين.

القديس شربل لم يكن رجل نشاط خارجي كبير، لكنه عاش في عمق حضور الله، ومن هذا العمق خرجت ثمرة حياته التي ما زالت حاضرة في الكنيسة والعالم.

والقديسة تريزا الطفل يسوع عاشت في ديرها حياة تبدو بسيطة ومخفية، لكنها اكتشفت أن المحبة يمكن أن تجعل أصغر الأعمال عظيمة أمام الله.

والقديسة الأم تريزا من كلكوتا كانت تقول للعاملين معها، بمعنى كلامها: لا نبحث عن الأعمال الكبيرة، بل نفعل الأشياء الصغيرة بمحبة كبيرة.

وهنا نكتشف سر الإنجيل: مريم تعلمنا من أين نبدأ، ومرتا تعلمنا إلى أين نذهب.

نبدأ عند قدمي يسوع، ونذهب إلى خدمة إخوتنا. نبدأ بالصمت، وننتهي بالعطاء. نبدأ بالصلاة، ونصل إلى المحبة. نبدأ بالمسيح، ونصل إلى الإنسان.وهذا هو جمال حياتنا المسيحية.

لذلك، عندما نتعب من الخدمة، لا يكون الحل دائمًا أن نترك الخدمة، بل أن نعود إلى المصدر.

عندما نشعر أن محبتنا أصبحت ثقيلة، نعود إلى المسيح. عندما نشعر أننا نعطي أكثر مما نستطيع، نضع تعبنا بين يديه. عندما نشعر أننا لا نُقدَّر، نتذكر أننا لا نخدم الناس لكي يصفقوا لنا، بل لأن المسيح أحبنا أولًا. وعندما يصبح قلبنا مضطربًا، نسمع من جديد صوته: « مرتا، مرتا… أنت تهتمين وتضطربين لأمور كثيرة، ولكن الحاجة إلى واحد».

هذا الواحد هو المسيح. فلنطلب اليوم من الرب أن يعطينا قلب مريم وأيدي مرتا:

قلبًا يعرف كيف يصغي، وأيدي تعرف كيف تخدم؛

قلبًا يعرف كيف يصمت، وأيدي تعرف كيف تعطي؛

قلبًا ثابتًا في المسيح، وحياة تحمل ثمر المحبة.

ولنطلب من العذراء مريم، التي حفظت كلمة الله وتأملت بها في قلبها، أن تعلمنا أن نعيش الكلمة لا أن نسمعها فقط.

يا رب، وسط كل انشغالاتنا، لا تسمح لنا أن نفقدك.

وعندما نركض كثيرًا، علّمنا أن نتوقف. وعندما نتكلم كثيرًا، علّمنا أن نصغي. وعندما نخدم، علّمنا أن نحب.

وعندما نتعب، علّمنا أن نعود إليك.

أعطنا يا رب قلب مريم، وأيدي مرتا، لكي نكون معك، ومنك، ولأجل إخوتنا.

ولنجعل من بيوتنا أماكن تُسمع فيها كلمة الله، ومن رعايانا جماعات تُعاش فيها المحبة، ومن حياتنا كلها تقدمةً صامتةً وفرحةً للمسيح.

"مريم اختارت النصيب الأفضل، ولن يُنزع منها".

فلنختر نحن أيضًا هذا النصيب: أن يبقى المسيح هو الواحد الضروري في حياتنا. آمين


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم