كتّاب المحبّة

تعزيز السينودسية في إطار الشركة مع الكرسي الرسولي

تعزيز السينودسية في إطار الشركة مع الكرسي الرسولي

أصدر البابا الاون الرابع عشر، في 29 آب 2026، رسالة رسولية في شكل «موتو بروبريو» (أي إرادة رسولية) بعنوان Concordia Mutua (التوافق المتبادل) عدّل بموجبها القانونين 106 و126 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (CCEO). ويأتي هذا الإصلاح في سياق إعادة تأكيد الطابع السينودسي للكنائس الكاثوليكية الشرقية وتعزيز مسؤولية سينودسات الأساقفة، ولا سيما في الكنائس البطريركية والكنائس ذات الرئاسة الأسقفية الكبرى. ولا يقتصر مضمون الوثيقة على تعديل إجرائي، بل يحمل بُعدًا كنسيًا وقانونيًا واضحًا، إذ يعيد تحديد العلاقة بين البطريرك، بصفته «الأب والرأس» (Caput et Pater)، وسينودس الأساقفة، مع الحفاظ على صلاحية الكرسي الرسولي في ما يتعلق بنفاذ قرار عزل البطريرك.

*أولاً: «التوافق المتبادل» أساس الشركة الكنسية الشرقية

ينطلق البابا الاون الرابع عشر من مبدأ يعتبره جوهرًا في حياة الكنائس الشرقية، وهو أن التوافق المتبادل بين البطريرك والأساقفة الذين يشكلون معه سينودس الأساقفة هو روح الشركة في الهرمية الكنسية الشرقية.

فالسينودس ليس هيئة استشارية محضة تحيط بالبطريرك، بل هو جزء أساسي من البنية الكنسية للكنيسة البطريركية. كما أن انتخاب البطريرك يتم في إطار السينودس، الأمر الذي يكشف، بحسب الوثيقة، عن دعوة جوهرية إلى العمل المجمعي في ممارسة خدمته الأولوية.

ومن هنا، لا تأتي السينودسية في مواجهة السلطة البطريركية، بل تشكل الإطار الكنسي الذي ينبغي أن تُمارس فيه هذه السلطة.

فالبطريرك يبقى الأب والرأس لكنيسته، غير أن ممارسته لخدمته لا تنفصل عن مسؤوليته المشتركة مع إخوته الأساقفة.

*ثانيًا: توسيع صلاحيات السينودس في الكنائس الشرقية

يشدد Concordia Mutua على ضرورة الاعتراف بصلاحيات سينودسات الأساقفة في الكنائس الكاثوليكية الشرقية وتوسيعها.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة لأن البابا يربطه أيضًا بالتقليد الكنسي الشرقي وبالعلاقات بين مختلف الكنائس، ولا سيما الحساسية اللاهوتية والممارسة الكنسية للكنائس الأرثوذكسية.

فالسينودسية، في المنظور الذي تقدمه الوثيقة، ليست مجرد آلية لاتخاذ القرارات، بل هي تعبير عن المسؤولية المشتركة للأساقفة عن حياة الكنيسة ورسالتها.

وهذه المسؤولية لا تبدأ عند انتخاب البطريرك وتنتهي به، بل تمتد إلى ممارسة الحكم الكنسي وإلى السير العادي لسينودس الأساقفة.

*ثالثًا: معالجة حالة الخلاف الخطير بين البطريرك والسينودس

أبرز ما جاء به الإصلاح هو إدخال إجراء قانوني واضح لمعالجة حالة يصبح فيها الرابط بين البطريرك وسينودس الأساقفة مختلاً بصورة خطيرة وغير قابلة للإصلاح.

فوفق التعديل الجديد للقانون 126، إذا وجد سينودس أساقفة الكنيسة البطريركية أن هناك سببًا خطيرًا، يمكنه أن يطلب من البطريرك أن يتنحى عن منصبه.

وإذا قبل البطريرك، تصبح حالة الكرسي البطريركي خاضعة للأحكام القانونية المتعلقة بالشغور.

أما إذا رفض الاستقالة، فتدخل الكنيسة في مرحلة قانونية استثنائية: يتولى الأسقف الأقدم بحسب السيامة الأسقفية، ممن يملك حق التصويت، العمل على انتخاب رئيس جديد للسينودس، ثم تُطرح مسألة عزل البطريرك على اقتراع سري.

ويشترط القانون أن يحصل قرار العزل على أصوات ثلثي أعضاء السينودس الذين يملكون حق التصويت، مع الحفاظ بصورة صريحة على حق البطريرك في الدفاع عن نفسه أمام السينودس.

وهذه الضمانة مهمة من الناحية القانونية والكنسية، لأنها تؤكد أن الإجراء ليس آلية عقابية، بل عملية كنسية استثنائية تتطلب سببًا خطيرًا، ونصابًا تصويتيًا مرتفعًا، واحترام حق الدفاع.

*رابعًا: قرار السينودس يحتاج إلى موافقة الحبر الروماني

على الرغم من توسيع صلاحيات السينودس، لم يجعل البابا قرار العزل نافذًا بمجرد صدوره عن الأساقفة.

فبعد التصويت، يتعين على رئيس السينودس أن يُبلغ الحبر الروماني بالقرار، وتبقى له صلاحية إعطاء الموافقة (assent) على عزل البطريرك، وهي الموافقة التي تجعل الكرسي البطريركي شاغرًا.

وهنا يظهر بوضوح التوازن الذي أراد المشرّع الكنسي الحفاظ عليه: السينودس يمارس مسؤوليته في التمييز واتخاذ القرار، والكرسي الرسولي يحافظ على دوره في ضمان الشركة الكنسية الجامعة.

ومن ثم، لا تعني السينودسية استقلالاً عن روما، كما أن الأولوية الرومانية لا تلغي المسؤولية الخاصة للكنيسة الشرقية عن إدارة شؤونها الداخلية.

*خامسًا: ضمان استمرار عمل السينودس

يعالج التعديل الجديد للقانون 106 أيضًا حالة امتناع البطريرك عن القيام بواجباته المتعلقة بدعوة السينودس. فإذا أهمل البطريرك هذه الواجبات، يمكن لسينودس الأساقفة أن يُدعى بصورة شرعية بواسطة الأسقف الأقدم بحسب السيامة الأسقفية، ممن يملك حق التصويت. وإذا امتنع هذا الأسقف أيضًا عن القيام بالدعوة، تنتقل الصلاحية إلى الأساقفة الآخرين، وفق ترتيب الأقدمية، ممن تتوافر فيهم الشروط القانونية والمستعدين للقيام بهذه المهمة.

وتحمل هذه القاعدة دلالة مهمة: لا يجوز أن يؤدي امتناع شخص واحد عن القيام بواجباته إلى تعطيل المؤسسة السينودسية نفسها.

فالسينودسية ليست مجرد صلاحية ظرفية، بل عنصر من عناصر الحياة المؤسسية للكنيسة الشرقية.

*سادسًا: استقلالية الكنائس الشرقية في إطار الشركة مع روما

قد يُفهم تعزيز صلاحيات السينودس للوهلة الأولى وكأنه تقليص لدور الكرسي الرسولي، إلا أن قراءة النص تظهر عكس ذلك. فالوثيقة لا تضع الاستقلالية في مواجهة الشركة، بل تسعى إلى الجمع بينهما.

فالكنائس الشرقية الكاثوليكية مدعوة إلى ممارسة مسؤولياتها وفق تقليدها وهويتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تبقى جزءًا من الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، في الشركة مع خليفة القديس بطرس.

ومن هنا فإن الصيغة التي يقترحها الإصلاح ليست استقلالية مطلقة ولا مركزية إدارية مطلقة، بل استقلالية داخل الشركة، وسينودسية داخل الوحدة.

وهذا هو أحد أبرز عناصر التوازن الذي يطبع الوثيقة.

*سابعًا: البعد المسكوني للإصلاح

لا يخفي Concordia Mutua أن توسيع صلاحيات السينودسات يرتبط أيضًا بالبعد المسكوني.

فالوثيقة تشير صراحة إلى العلاقات بين الكنائس وإلى أهمية أخذ التقليد اللاهوتي والممارسة الكنسية للكنائس الأرثوذكسية في الاعتبار. وهذا مهم بصورة خاصة في الحوار الكاثوليكي الأرثوذكسي، حيث تشكل العلاقة بين الأولوية والسينودسية أحد أهم الموضوعات الإكليزيولوجية.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الإصلاح باعتباره محاولة لتعزيز العناصر السينودسية المتجذرة في التقليد الشرقي داخل الكنائس الكاثوليكية الشرقية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشركة مع أسقف روما.

فالوثيقة لا تضع الأولوية والسينودسية في علاقة تنافس، بل تسعى إلى إظهارهما كعنصرين متكاملين في بناء الشركة الكنسية.

*ثامنًا: إصلاح قانوني يحمل رؤية إكليزيولوجية

تكمن أهمية Concordia Mutua، إذن، في أنها لا تستحدث مجرد إجراء يتعلق بإمكان عزل البطريرك، بل تقدم رؤية أوسع لممارسة السلطة في الكنائس الشرقية.

يمكن تلخيص هذه الرؤية في ثلاثة مبادئ مترابطة:

+ البطريرك هو الأب والرأس، ويمارس خدمته في شركة مع أساقفته؛

+ السينودس هو التعبير المؤسسي عن المسؤولية المشتركة للأساقفة؛

+ والكرسي الرسولي يبقى ضامنًا للشركة والوحدة الكاثوليكية.

ومن هنا تكتسب عبارة Concordia Mutua، أي «التوافق المتبادل»، معناها العميق.

فالمقصود ليس انتصار السينودس على البطريرك، ولا انتصار البطريرك على السينودس، ولا تراجع روما عن دورها، بل بناء تناغم بين الأولوية والسينودسية، وبين المسؤولية المحلية والشركة الجامعة.

خاتمة أولى: وحدة في التنوع، وسينودسية في الشركة

يؤكد الإصلاح الجديد أن خصوصية الكنائس الشرقية لا تتعارض مع وحدتها الكاثوليكية.

فالكنيسة الشرقية مدعوة إلى أن تعيش تقليدها الخاص، وأن تمارس مسؤوليتها السينودسية، وأن تحافظ في الوقت نفسه على الشركة الكاملة مع خليفة بطرس. وقد دخلت التعديلات التي أقرها البابا الاون الرابع عشر حيّز التنفيذ فور نشرها.

ومن هنا يمكن قراءة Concordia Mutua باعتبارها محاولة قانونية وكنسية لترسيخ معادلة دقيقة:

+ الأولوية لا تلغي السينودسية،

+ والسينودسية لا تلغي الأولوية،

+ والاستقلالية لا تعني الانفصال،

+ والوحدة لا تعني إلغاء خصوصية الكنائس الشرقية.

إنها، في جوهرها، دعوة إلى أن تُمارس السلطة الكنسية باعتبارها خدمة للشركة والوحدة ورسالة الكنيسة، وأن يبقى البطريرك والسينودس والكرسي الرسولي، كلٌّ في نطاق صلاحياته، شركاء في بناء الكنيسة الواحدة والمتعددة التقاليد.

*ثامنًا (تتمة): مقارنة القانونين 106 و126 قبل التعديل وبعده

تكشف المقارنة بين القانونين 106 و126، في صيغتهما السابقة وصيغتهما المعدَّلة، أن الإصلاح الذي أدخله Concordia Mutua لا يشكل قطيعة مع النظام القانوني القائم، بل يأتي في إطار استكماله وتطوير آلياته بما يضمن فعالية الحياة السينودسية.

فالقانون 103، الذي بقي دون تعديل، يحافظ على القاعدة الأساسية التي تجعل البطريرك صاحب الاختصاص في دعوة سينودس الأساقفة ورئاسته، فيما كان القانون 106، قبل التعديل، يحدد الحالات التي يصبح فيها انعقاد السينودس واجبًا، ومنها الحالات التي تتطلبها صلاحيات السينودس الخاصة، أو التي يرى البطريرك والسينودس الدائم ضرورتها، أو التي يطلب فيها ثلث أعضاء السينودس على الأقل الانعقاد للبت في مسألة معينة. أما التعديل الجديد للقانون 106، فقد أضاف ضمانة مؤسسية مهمة، إذ وضع آلية قانونية تحول دون تعطيل السينودس في حال أهمل البطريرك واجب دعوته، فنقل صلاحية الدعوة، بصورة استثنائية، إلى الأسقف الأقدم بحسب السيامة الأسقفية، صاحب حق التصويت، ثم إلى من يليه عند الاقتضاء.

أما القانون 126، فكان في صيغته السابقة يحصر أسباب شغور الكرسي البطريركي في وفاة البطريرك أو استقالته، وينظم قبول الاستقالة من قبل السينودس بعد استشارة الحبر الروماني. وقد أضاف التعديل الجديد مسارًا استثنائيًا لم يكن منصوصًا عليه بصورة صريحة من قبل، وهو معالجة الحالة التي ينشأ فيها سبب خطير يمس الشركة بين البطريرك وسينودس الأساقفة، بحيث يستطيع السينودس، بعد استيفاء الشروط القانونية، أن يطلب من البطريرك الاستقالة. فإذا رفض، لا تصبح الإزالة تلقائية، بل تبدأ إجراءات دقيقة تتضمن انتخاب رئيس جديد للسينودس، وإجراء اقتراع سري، والحصول على أغلبية الثلثين من أصحاب حق التصويت، وضمان حق البطريرك في الدفاع عن نفسه، ثم إبلاغ الحبر الروماني، الذي تبقى موافقته شرطًا لجعل الكرسي البطريركي شاغرًا.

وبذلك يظهر أن التعديل لم ينقل السلطة من البطريرك إلى السينودس، ولم يجعل السينودس سلطة مطلقة في مواجهة البطريرك، بل أقام توازنًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا بين الأولوية البطريركية والمسؤولية السينودسية والشركة مع الكرسي الرسولي. فالبطريرك يبقى الأب والرأس في النظام العادي، والسينودس يبقى التعبير المؤسسي عن المسؤولية المشتركة للأساقفة، بينما يحتفظ الحبر الروماني بدوره في ضمان الشركة الكنسية الجامعة. ومن هذه الزاوية، فإن التعديل يمثل انتقالاً مهمًا من مجرد الاعتراف بالسينودسية إلى توفير الضمانات القانونية اللازمة لكي تتمكن السينودسية من ممارسة دورها بصورة فعالة حتى في الظروف الاستثنائية.

وعليه، فإن الجديد في القانونين 106 و126 لا ينبغي فهمه باعتباره تقليصًا للسلطة البطريركية، بل باعتباره تطويرًا للحوكمة الكنسية الشرقية، بحيث لا تصبح ممارسة السلطة مرتبطة بشخص واحد إلى درجة يمكن معها تعطيل المؤسسة السينودسية، وبحيث تُعالَج الأزمات الخطيرة داخل الكنيسة من خلال إجراءات قانونية واضحة، وضمانات عادلة، ومسؤولية جماعية، وفي إطار الشركة الكاملة مع الكرسي الرسولي.

*تاسعًا: السينودسية ليست ديمقراطية كنسية

من المهم، في قراءة هذا الإصلاح، عدم إسقاط المفاهيم السياسية الحديثة بصورة مباشرة على البنية الكنسية. فالسينودس ليس برلمانًا، والبطريرك ليس «رئيسًا سياسيًا»، والأساقفة ليسوا ممثلين سياسيين عن دوائر انتخابية. إن السينودسية، في مفهومها الكنسي، تقوم على الشركة والمسؤولية المشتركة والتمييز الكنسي.

ولهذا السبب بالذات اختار البابا عنوان: Concordia Mutua – التوافق المتبادل.

فالرسالة الرسولية تبدأ بتأكيد أن التوافق المتبادل بين الأب والرأس وإخوته الأساقفة الذين يشكلون معه السينودس هو روح الشركة في الهرمية الكنسية الشرقية. كما تؤكد أن السينودس هو المكان الذي تنبع منه عملية انتخاب البطريرك، وأن ذلك يتضمن دعوة جوهرية إلى ممارسة خدمته الأولوية في إطار المسؤولية الجماعية. إذن، لا ينبغي فهم السينودسية باعتبارها نقيضًا للأولوية، بل باعتبارها طريقة كنسية لممارسة الأولوية داخل الشركة.

*عاشرًا: القيمة الإيجابية للإصلاح — من السينودسية المعلنة إلى السينودسية المؤسسية

تكمن إحدى أهم إيجابيات Concordia Mutua في أنها تنقل السينودسية من مستوى المبدأ العام إلى مستوى الضمان القانوني والمؤسسي.

فالسينودسية كانت موجودة أصلاً في النظام الشرقي:

• السينودس ينتخب البطريرك؛

• السينودس يمارس اختصاصات محددة في الحكم الكنسي؛

• لثلث أعضائه حق طلب انعقاده في الحالات التي ينص عليها القانون؛

• والبطريرك نفسه يمارس خدمته في إطار هذه المؤسسة السينودسية.

لكن الإصلاح يضيف عنصرًا جديدًا: لا يجوز أن يؤدي امتناع شخص واحد عن ممارسة واجبه إلى تعطيل المؤسسة السينودسية بأكملها.

وهذه خطوة إيجابية جدًا من منظور الحوكمة الكنسية.

فالسينودسية الحقيقية لا تعني فقط أن يجتمع الأساقفة عندما يدعوهم رئيسهم، بل تعني أيضًا أن تكون للمؤسسة قدرة قانونية على الاستمرار في أداء رسالتها في الظروف الاستثنائية.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التعديل لا يضعف البطريركية، بل يحميها من الشخصنة؛ ولا يضعف السلطة، بل يجعلها أكثر مؤسسية؛ ولا يفرض نظامًا غريبًا على التقليد الشرقي، بل يعزز عنصرًا أصيلاً في هذا التقليد.

*حادي عشر: الإصلاح لا يضعف البطريركية بل يعيد تثبيت طبيعتها الكنسية

قد يُقال إن إعطاء السينودس صلاحية إزالة البطريرك يضعف مؤسسة البطريركية. لكن هذه القراءة ليست الوحيدة الممكنة، بل يمكن تقديم قراءة معاكسة أكثر انسجامًا مع منطق القانون الكنسي.

فالبطريركية لا تقوم على شخص البطريرك وحده، وإنما على شركة كنسية ذات بنية مؤسسية.

والبابا الاون الرابع عشر نفسه يؤكد أن البطريرك، وإن كان «الأول» وليس مجرد رئيس لجمعية الأساقفة، لا يمكن اعتباره منفصلاً عن السينودس. فإذا تضررت بصورة لا يمكن إصلاحها العلاقة المقدسة بين الأب والرأس وسائر الأساقفة، فإن جرحًا خطيرًا يصيب الشركة نفسها ويحتاج إلى معالجة.

ومن هنا: حماية السينودس من التعطيل هي، في الوقت نفسه، حماية للطبيعة الجماعية للبطريركية الشرقية.

فالبطريرك لا يمارس خدمته خارج الشركة مع أساقفته، كما أن الأساقفة لا يمارسون مسؤوليتهم خارج الشركة مع البطريرك والكنيسة الجامعة.

*ثاني عشر: سلطة السينودس ليست مطلقة

وفي المقابل، ينبغي ألا يؤدي الدفاع عن السينودسية إلى المبالغة في تفسير الصلاحية الجديدة.

فالسينودس لا يستطيع إزالة البطريرك لمجرد وجود خلاف معه. ولا تكفي أغلبية بسيطة. ولا يستطيع شخص واحد اتخاذ القرار. ولا يمكن تجاوز حق البطريرك في الدفاع عن نفسه. ولا يصبح القرار نافذًا بمجرد التصويت السينودسي. بل إن القانون وضع مجموعة من الضمانات المتراكبة، وصولاً إلى موافقة الحبر الروماني التي تجعل الكرسي البطريركي شاغرًا.

ولهذا فإن التعبير الأدق قانونيًا ليس أن «السينودس أصبح سيد البطريرك»، بل أن: السينودس أصبح صاحب اختصاص قانوني استثنائي لمعالجة أزمة خطيرة في الشركة، ضمن شروط وضمانات محددة، ومع بقاء صلاحية الحبر الروماني في المرحلة النهائية. وهذا فارق جوهري.

*ثالث عشر: البعد المسكوني — استعادة عناصر من التراث الشرقي

لا يخفي Concordia Mutua البعد المسكوني للإصلاح. فالرسالة الرسولية تشير صراحة إلى العلاقات بين مختلف الكنائس، ولا سيما الحساسية اللاهوتية والممارسة الكنسية للكنائس الأرثوذكسية، وتربط توسيع صلاحيات السينودسات بهذا السياق.

وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن العلاقة بين الأولوية والسينودسية تشكل أحد المحاور الأساسية في النقاش الإكليزيولوجي وفي الحوار الكاثوليكي الأرثوذكسي.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الإصلاح بوصفه محاولة لتعزيز عنصر متجذر في التراث الشرقي داخل الكنائس الكاثوليكية الشرقية، دون المساس بالشركة مع أسقف روما. فالمقصود ليس استيراد نموذج غربي إلى الكنائس الشرقية، بل إعادة إبراز أحد العناصر الأصيلة في هويتها الكنسية.

*رابع عشر: نحو نموذج متوازن للحوكمة الكنسية الشرقية

تكشف القراءة المتكاملة للقوانين 103 و106 و126 عن ثلاثة مستويات مترابطة للسلطة:

1. المستوى البطريركي: البطريرك هو الأب والرأس، وهو صاحب الاختصاص الطبيعي في دعوة السينودس ورئاسته.

2. المستوى السينودسي: الأساقفة يشتركون مع البطريرك في المسؤولية عن حياة الكنيسة، والسينودس هو المؤسسة التي تعبّر بصورة خاصة عن هذه المسؤولية المشتركة.

3. المستوى الجامع: الكرسي الرسولي يبقى حاضرًا في إطار الشركة الكاثوليكية، وتبقى له صلاحياته الخاصة، ولا سيما الموافقة على إزالة البطريرك التي تجعل الكرسي شاغرًا.

وهكذا لا تقوم البنية الجديدة على مبدأ تنازع السلطات، بل على مبدأ توزيع المسؤوليات داخل الشركة.

*خامس عشر: الخلاصة القانونية والإكليزيولوجية

يمكن اختزال التطور الذي أدخلته Concordia Mutua في أربع حركات قانونية مترابطة:

1. من سلطة الدعوة إلى ضمان انعقاد السينودس: يبقى البطريرك صاحب الاختصاص الأصلي وفق القانون 103، لكن القانون 106 §3 يمنع أن يؤدي امتناعه عن الدعوة إلى تعطيل السينودس.

2. من الاستقالة الإرادية إلى معالجة الأزمة المؤسسية: كان القانون 126 يعالج شغور الكرسي بالموت أو الاستقالة؛ أما الآن فقد أصبح هناك مسار استثنائي لمعالجة حالة وجود سبب خطير يعترف به السينودس ويؤدي إلى جرح لا يمكن إصلاحه في الشركة.

3. من القرار إلى القرار المحاط بالضمانات: لا تتم الإزالة إلا بعد طلب الاستقالة، وعند رفضها، وباقتراع سري، وبأغلبية الثلثين، مع ضمان حق الدفاع.

4. من الاستقلالية إلى الاستقلالية داخل الشركة: السينودس يمارس مسؤوليته، لكن القرار النهائي الذي يجعل الكرسي البطريركي شاغرًا مرتبط بموافقة الحبر الروماني.

وتؤكد الرسالة الرسولية أن هذه الأحكام تهدف إلى إعطاء تعبير أكثر اكتمالاً للاستقلالية الداخلية للكنائس الشرقية البطريركية، مع بقاء صلاحيات الكرسي الرسولي، كما تمتد هذه الرؤية، على سبيل القياس، إلى الكنائس ذات الرئاسة الأسقفية الكبرى وفق القانون 152.


خاتمة: السينودسية في خدمة الشركة، والكنائس الشرقية نحو انفتاح مؤسساتي متجدد

إن القراءة القانونية الهادئة والمتأنية لـ Concordia Mutua تقود إلى نتيجة تتجاوز بكثير القراءة التي تختزل الإصلاح في مسألة «عزل البطريرك». فجوهر هذا التطور التشريعي لا يكمن في إضعاف السلطة البطريركية، ولا في جعل السينودس سلطة فوق البطريرك، ولا في الانتقاص من دور الكرسي الرسولي، بل في تأكيد مبدأ أساسي في ممارسة السلطة الكنسية، وهو أن السلطة في الكنيسة لا تُمارَس إلا في إطار الشركة والمسؤولية المشتركة وخدمة الخير الكنسي.

لقد أبقى المشرّع على القانون 103، بما يحفظ للبطريرك صفته كـ Caput et Pater ويصون دوره الأساسي في حياة الكنيسة البطريركية، ولا سيما في دعوة السينودس ورئاسته. وفي المقابل، جاء تعديل القانون 106 ليضع ضمانة مؤسساتية تحول دون تعطيل الحياة السينودسية في حال عدم قيام البطريرك بواجبه في دعوة السينودس. كما أضاف تعديل القانون 126 إطارًا قانونيًا استثنائيًا لمعالجة حالة بالغة الخطورة تمس العلاقة بين البطريرك وسائر الأساقفة.

وهذا الإجراء، بالنظر إلى شروطه وضماناته، لا يمكن اعتباره آلية عادية لممارسة السلطة، بل هو تدبير قانوني استثنائي لا يُلجأ إليه إلا في ظروف محددة، وبعد استيفاء مراحل وضمانات واضحة، بما فيها وجود سبب خطير، وطلب الاستقالة ورفضها، وانتخاب رئيس جديد للسينودس، والاقتراع السري، والحصول على أغلبية الثلثين، واحترام حق الدفاع، ثم إحالة النتيجة إلى الحبر الروماني وانتظار موافقته.

ومن هنا، فإن السؤال الأصح ليس: هل انتصر السينودس على البطريرك؟ بل: كيف يمكن أن تُمارَس السلطة الكنسية، على اختلاف مستوياتها، بما يخدم الشركة والوحدة ورسالة الكنيسة؟

فالسينودسية لا تلغي الأولوية، كما أن الأولوية لا تلغي السينودسية. والبطريرك لا يُفهَم خارج شركة الأساقفة، كما أن السينودس لا يُفهَم خارج الشركة مع البطريرك والكرسي الرسولي والكنيسة الجامعة. ومن ثم، فإن الحفاظ على خصوصية النظام الشرقي لا يتعارض مع تطوير آليات المشاركة والمسؤولية المشتركة.

وبهذا المعنى، يمكن اختصار المنطق الذي يعكسه الإصلاح في معادلة متوازنة: بطريركية في شركة، وسينودسية في مسؤولية، واستقلالية في إطار الوحدة، وأولوية في خدمة الشركة.

*من تطوير القانون إلى تطوير أساليب العمل

ولعل القيمة الأوسع لهذا الإصلاح تكمن أيضًا في أنه يفتح بابًا للتفكير في تطوير طريقة عمل الكنائس الشرقية وعلاقتها بمؤسسات الكرسي الرسولي.

فكما أمكن، من خلال تعديل القوانين، تطوير بعض الآليات القانونية التي تنظّم ممارسة السلطة داخل الكنائس البطريركية، يمكن كذلك تطوير آليات التواصل والتنسيق والتعاون المؤسساتي بين الكنائس الشرقية ومختلف الدوائر والأجهزة التابعة للكرسي الرسولي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير الاختصاصات المحددة قانونًا لكل دائرة.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بدقة بين الاختصاص القانوني وطريقة ممارسة هذا الاختصاص. فالاختصاصات التي يحددها القانون للدوائر الرومانية لا يمكن تجاوزها بمجرد تغيير طريقة العمل، كما لا يمكن إنشاء اختصاصات جديدة أو نقل اختصاص قائم إلا وفق الأصول القانونية والتنظيمية المناسبة. غير أن احترام هذه الاختصاصات لا يحول دون تطوير أساليب أكثر مرونة وفاعلية في التواصل والتشاور والتنسيق، ولا سيما عندما تتداخل في ملف واحد اختصاصات أكثر من جهة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون من المفيد أن تتعامل الكنائس الشرقية مع كل دائرة رومانية بحسب طبيعة الموضوع وضمن حدود الاختصاص الذي يحدده القانون لها. فإذا كان الموضوع متعلقًا بالأساقفة أو بالخدمة الأسقفية، يكون التعاون، حيث تقتضي طبيعة المسألة وأحكام القانون، مع الدائرة المختصة بالأساقفة؛ وإذا تعلق بالكهنة والشمامسة والخدمة الكهنوتية، يكون التواصل مع الدائرة المختصة بالإكليروس؛ وإذا ارتبط بالحياة المكرسة والمؤسسات الرهبانية، تكون للجهة المختصة بالحياة المكرسة مسؤوليتها ودورها؛ وإذا تعلق بالعلمانيين ومشاركتهم في حياة الكنيسة ورسالتها، يكون التعاون مع الجهة المختصة بالعلمانيين؛ وكذلك في المجالات المتعلقة بالليتورجيا، والقانون الكنسي، والتعليم والجامعات، والتبشير، والثقافة، والعمل المسكوني، والحوار بين الأديان، والتنمية البشرية، وسائر المجالات التي حدد القانون اختصاص الجهات المختصة بها.

ولا يعني ذلك أن تُقسَّم «شؤون الكنائس الشرقية» بين مختلف الدوائر، ولا أن يُنتقص من الدور الخاص لدائرة الكنائس الشرقية أو من اختصاصها في ما يحدده القانون، بل يعني اعتماد منهج أكثر تكاملاً في العمل المؤسساتي، بحيث تتولى كل دائرة ما يدخل في اختصاصها، وتتعاون، عند الحاجة، مع دائرة الكنائس الشرقية ومع سائر الجهات المعنية، ولا سيما عندما تكون المسألة ذات طبيعة مشتركة أو تتقاطع فيها اختصاصات متعددة.

وبعبارة أكثر دقة، ليس المطلوب نقل الاختصاصات، بل تفعيلها؛ وليس المطلوب تعدد الجهات التي تدير الملف، بل إشراك الجهة صاحبة الاختصاص في معالجة الموضوع؛ وليس المطلوب إلغاء دور دائرة الكنائس الشرقية، بل تعزيز التنسيق بينها وبين الدوائر صاحبة الاختصاص الموضوعي.

وهذا النهج لا يستلزم بالضرورة إعادة رسم الخريطة القانونية لاختصاصات الدوائر الرومانية أو إنشاء مؤسسات جديدة، بل يمكن أن يبدأ من خلال تطوير طريقة التواصل والعمل: عبر الإحالة المتبادلة للملفات بحسب الاختصاص، والتشاور المنتظم، وتشكيل فرق عمل مشتركة عند الحاجة، وتبادل الخبرات، وإشراك ممثلي الكنائس الشرقية في دراسة القضايا التي تمس حياتها ورسالتها، ولا سيما عندما تتصل هذه القضايا بأكثر من مجال من مجالات الاختصاص.

فالقضية الواحدة قد تكون شرقية في سياقها، لكنها قانونية في طبيعتها، أو ليتورجية، أو رعوية، أو مرتبطة بالأساقفة أو الكهنة أو الحياة المكرسة أو العلمانيين أو التعليم أو الثقافة أو المسكونية أو الحوار بين الأديان. ومن ثم، فإن الطابع الشرقي للملف لا يلغي طبيعته الموضوعية ولا يلغي اختصاص الجهة الرومانية المعنية به.

ومن هنا، يمكن أن يكون دور دائرة الكنائس الشرقية أكثر فاعلية حين يُنظر إليه، في إطار اختصاصها، بوصفه دورًا تنسيقيًا وتكامليًا يربط الكنائس الشرقية بمختلف دوائر الكرسي الرسولي، ويساعد على ضمان معالجة الملفات المتعلقة بها ضمن رؤية متكاملة، من دون عزلها عن سائر مجالات حياة الكنيسة الجامعة.

وهذا يتطلب انتقالاً تدريجيًا من نموذج يقوم، في بعض الحالات، على حصر التواصل المؤسساتي في قناة واحدة، إلى نموذج أكثر انفتاحًا وتخصصًا، تتعامل فيه الكنائس الشرقية مع كل دائرة رومانية صاحبة اختصاص بحسب طبيعة الموضوع، مع المحافظة على التنسيق الضروري مع دائرة الكنائس الشرقية وعلى الاختصاصات التي يحددها القانون لكل جهة.

وبذلك يصبح التعاون بين الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي أكثر قربًا من روح السينودسية: كل جهة تمارس اختصاصها، وكل جهة تصغي إلى الأخرى، وكل جهة تتعاون مع سائر الجهات من أجل الخير المشترك للكنيسة.


نحو كنائس شرقية أكثر انفتاحًا وحداثةً لمستقبل الكنائس الشرقية الكاثوليكية

ومن هنا، يمكن أن يكون هذا الإصلاح مناسبة للتعبير عن رجاء وتمنٍّ: أن تصبح الكنائس الشرقية الكاثوليكية أكثر انفتاحًا على الكنيسة الجامعة، وأكثر قدرة على المشاركة الفاعلة في حياتها ورسالتها، مع المحافظة في الوقت نفسه على هويتها الشرقية وخصوصيتها اللاهوتية والليتورجية والروحية والقانونية.

فالانفتاح لا يعني الذوبان، والوحدة لا تعني التشابه، والشركة لا تعني إلغاء الخصوصية. بل إن قوة الكنائس الشرقية تكمن تحديدًا في قدرتها على أن تكون شرقية في هويتها، وكاثوليكية في شركتها.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز حضور الكنائس الشرقية داخل البنية المؤسساتية للكرسي الرسولي لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد زيادة في المشاركة الشكلية، بل بوصفه دعوة إلى مشاركة أكثر فاعلية وتخصصًا في مختلف مجالات حياة الكنيسة الجامعة.

فالكنائس الشرقية تحمل تراثًا لاهوتيًا وروحيًا وليتورجيًا وقانونيًا عريقًا، يعود بجذوره إلى القرون الأولى للمسيحية. وهذا التراث ليس مجرد ذاكرة تاريخية، بل هو ثروة حية تستطيع أن تقدم للكنيسة الجامعة إسهامًا ثمينًا في فهم الشركة والسينودسية والأولوية والمسكونية.

ومن هنا، فإن تعزيز السينودسية لا ينبغي أن يُنظر إليه كتهديد للسلطة البطريركية أو للوحدة مع روما، بل يمكن أن يكون وسيلة لحماية الكنائس الشرقية من الشخصنة، وتعزيز مؤسساتها، وتفعيل مسؤولية أساقفتها، وتجديد حضورها داخل الكنيسة الجامعة.

وإذا كانت الكنائس الشرقية مدعوة اليوم إلى مزيد من السينودسية داخل كنائسها، فمن الطبيعي أن يواكب ذلك تطور في طريقة حضورها ومشاركتها في حياة الكنيسة الجامعة. والمطلوب ليس أن تتحول الكنائس الشرقية إلى نسخة عن النموذج اللاتيني، بل أن تكون شرقية في هويتها، كاثوليكية في شركتها، سينودسية في حياتها، حديثة في مؤسساتها، ومتخصصة في تعاونها.


من «الإدارة بشأن الكنائس الشرقية» إلى «الشراكة مع الكنائس الشرقية»

ولعل هذا هو التحدي الأهم في المرحلة المقبلة: أن تنتقل العلاقة المؤسساتية من منطق إدارة شؤون الكنائس الشرقية إلى منطق الشراكة معها في حياة الكنيسة الجامعة ورسالتها.

فليس المطلوب أن تكون الكنائس الشرقية مجرد موضوع للقرارات أو مجالاً للإدارة، بل أن تكون شريكًا فاعلاً ومسؤولاً في الحوار والتفكير والعمل واتخاذ القرارات التي تعنيها، كلما اقتضت طبيعة الموضوع ذلك وضمن الأطر القانونية المعتمدة.

وهذه الشراكة لا تعني تجاوز الاختصاصات، بل احترامها وتفعيلها؛ ولا تعني تعدد المرجعيات، بل تعدد مجالات التعاون ضمن وحدة الشركة؛ ولا تعني إضعاف الدور الخاص لدائرة الكنائس الشرقية، بل تطويره بما يسمح بتنسيق أفضل مع مختلف الدوائر والأجهزة الرومانية صاحبة الاختصاص.

ومن هنا، فإن تطوير آليات التواصل والعمل بين الكنائس الشرقية والدوائر الرومانية المختلفة يمكن أن يشكل خطوة عملية في اتجاه سينودسية أكثر نضجًا.

فكما استطاعت الكنيسة أن تطور قوانينها عندما اقتضت حاجات الحياة الكنسية ذلك، يمكنها أيضًا أن تطور أساليب عملها وتواصلها وتنسيقها بما يجعل هذه القوانين أكثر قدرة على خدمة رسالتها.

فالقانون ليس غاية في ذاته، بل أداة لخدمة الشركة والرسالة؛ والمؤسسات ليست غاية في ذاتها، بل وسائل لتحقيق الخير الكنسي. ولذلك، فإن تحديث طريقة العمل لا يعني بالضرورة تغيير البنية القانونية، بل قد يعني، في كثير من الأحيان، تفعيل البنية القائمة بطريقة أكثر تعاونًا ومرونة وتخصصًا.

وإذا كان عنوان الإصلاح هو Concordia Mutua – «التوافق المتبادل»، فإن هذا التوافق لا ينبغي أن يبقى مجرد مبدأ ينظم العلاقة بين البطريرك وسينودس الأساقفة، بل يمكن أن يمتد ليصبح منهجًا في العلاقة بين الكنائس الشرقية والكرسي الرسولي: توافقًا يقوم على الثقة المتبادلة، واحترام الاختصاصات، وتوزيع المسؤوليات، والتشاور، والتنسيق، والمشاركة، والتكامل بين الخبرات.

وبذلك يمكن أن يكون Concordia Mutua خطوة أولى نحو توافق أوسع: توافق بين التقليد والتجديد، وبين الخصوصية والوحدة، وبين الشرق وروما، وبين السلطة والمسؤولية، وبين السينودسية والأولوية، وبين الاختصاص والتعاون.


وفي نهاية المطاف، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الإصلاح في أنه أوجد آليات قانونية جديدة فحسب، بل في أنه يذكّر الكنيسة بأن السلطة الكنسية لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل أيضًا بقدرتها على بناء الشركة، وحماية الوحدة، وتحقيق الخير الكنسي، وإفساح المجال للمشاركة المسؤولة.

ومن هنا يمكن اختصار الرؤية التي يفتحها هذا الإصلاح في معادلة كنسية واضحة: الأولوية لا تلغي السينودسية، والسينودسية لا تلغي الأولوية؛ والاستقلالية لا تعني الانفصال، والوحدة لا تعني إلغاء الخصوصية؛ والاختصاص لا يعني العزلة، والتنسيق لا يعني إلغاء الاختصاص.

ولعل هذا هو الأفق الذي يمكن أن تتجه إليه الكنائس الشرقية في المرحلة المقبلة: أن تكون شرقية في هويتها، كاثوليكية في شركتها، سينودسية في حياتها، مؤسساتية في حوكمتها، حديثة في أساليب عملها، ومنفتحة على التعاون مع كل دائرة رسولية صاحبة اختصاص، بروح المجمع الفاتيكاني الثاني.

فكما أمكن تعديل القانون عندما اقتضت حاجات الكنيسة ذلك، يمكن أيضًا أن تتطور طرق التواصل والتنسيق والعمل بما يجعل ممارسة الاختصاصات أكثر فاعلية، ويتيح للكنائس الشرقية أن تستفيد من الخبرات المتخصصة في مختلف دوائر الكرسي الرسولي، وأن تسهم بدورها في حياة الكنيسة الجامعة ورسالتها.

وعليه، فإن Concordia Mutua لا ينبغي أن تُقرأ أساسًا بوصفها «قانونًا لعزل البطريرك»، بل بوصفها تطورًا في فهم ممارسة السلطة داخل الكنائس الشرقية، وتأكيدًا على أن السينودسية ليست منافسة للأولوية، وأن الأولوية ليست بديلاً عن السينودسية، وأن كليهما يجد معناه الحقيقي في الشركة.

وهكذا يمكن أن تتحول Concordia Mutua من مجرد عنوان لتعديل قانوني إلى دعوة أوسع إلى توافق متبادل داخل الكنيسة: توافق يحترم الخصوصيات، ويصون الوحدة، ويعزز المشاركة، ويفعّل الاختصاصات، ويشجع التعاون، ويفتح أمام الكنائس الشرقية مجالاً أوسع لكي تكون، لا مجرد موضوع في حياة الكنيسة الجامعة، بل شريكًا فاعلاً ومسؤولاً في بنائها ورسالتها.


أن تكون الكنائس الشرقية شرقية في هويتها، كاثوليكية في شركتها، سينودسية في حياتها، حديثة في مؤسساتها، متخصصة في تعاونها، ومنفتحة على الكنيسة الجامعة؛ لا أن تكون فقط موضوعًا للإدارة، بل شريكًا كاملاً في حياة الكنيسة ورسالتها.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم