كتّاب المحبّة
هل اقتربت نهاية العالم؟ بين نبوءات الكتاب المقدس وتأويلات البشر
أولاً: ماذا يقول الكتاب المقدس فعلاً؟
فكرة "نهاية الأزمنة" أو "الآخرة" (Eschatology) حاضرة في نصوص عديدة، أبرزها:
في العهد القديم: سفر دانيال يحتوي على رؤى رمزية عن ممالك تتعاقب وعن "زمن ضيق" يسبق خلاص الشعب (دانيال 12)، وهي نصوص شكّلت لاحقاً أساس الكثير من التأويلات المسيحية واليهودية للنهاية.
في العهد الجديد: النصوص المحورية هي:
• إنجيل متى الإصحاح 24 (المعروف بـ"الخطاب الجليلي" أو "الرسالة الأخروية"): يسوع يتحدث عن حروب وأخبار حروب، مجاعات، زلازل، اضطهاد، وظهور "مسحاء دجالين"، لكنه يضيف عبارة محورية: "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب وحده".
• رسائل بولس (تسالونيكي الأولى والثانية): يتحدث عن "يوم الرب" الذي يأتي "كلص في الليل"، وعن ظهور "إنسان الخطيئة" قبل النهاية.
• رسالة بطرس الثانية: تشير إلى أن السماوات والأرض الحاليتين محفوظتان للدينونة، وأن "يوماً واحداً عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد" - وهي آية غالباً ما تُستخدم للتحذير من محاولة "حساب" الموعد.
• سفر الرؤيا: النص الأكثر إثارة للجدل، مليء بالرموز (الوحش، الأختام السبعة، هرمجدون، الألفية) التي فُسّرت بطرق متباينة جداً عبر التاريخ.
ثانياً: المدارس التفسيرية الكبرى
هذه نقطة مهمة كثيراً ما تُهمَل: المسيحيون أنفسهم غير متفقين على طريقة قراءة هذه النصوص. هناك أربع مقاربات رئيسية:
1. المدرسة التاريخية (Preterism): ترى أن معظم نبوءات الرؤيا ومتى 24 تحققت فعلاً في القرن الأول، خصوصاً مع سقوط أورشليم وهدم الهيكل سنة 70م.
2. المدرسة المستقبلية (Futurism): وهي الأكثر شهرة إعلامياً، خصوصاً عند الإنجيليين الأميركيين، وترى أن معظم النبوءات لم تتحقق بعد وستحصل في المستقبل القريب أو البعيد. من هذه المدرسة انبثقت نظرية "الاختطاف" (Rapture) وربط قيام دولة إسرائيل بالنبوءات.
3. المدرسة المثالية/الرمزية (Idealism): ترى أن هذه النصوص رمزية بطبيعتها، تصف صراع الخير والشر عبر كل العصور وليس حدثاً تاريخياً محدداً.
4. المدرسة التتابعية (Historicism): ترى أن النبوءات تتحقق تدريجياً عبر التاريخ الكنسي كله.
هذا التعدد يعني أن أي قراءة "لحرفية" النصوص وربطها مباشرة بحدث معاصر (زلزال، حرب، وباء) هي اختيار تفسيري معين، وليست "الفهم الوحيد الصحيح" للنص.
ثالثاً: هل الأوضاع الحالية هي "علامات"؟
هنا يكمن التحدي الأكبر. عبر التاريخ، في كل جيل تقريباً، ظهر من يقرأ الحروب والكوارث والانهيارات الأخلاقية والزلازل بوصفها "علامات اقتراب الساعة":
• في القرن الأول، توقّع بعض المسيحيين النهاية قريباً جداً.
• عبر القرون الوسطى، ربط كثيرون الأوبئة (كالطاعون الأسود) والغزوات بنهاية العالم.
• في العصر الحديث، رُبطت الحربان العالميتان، والحرب الباردة، وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وأزمات الطاقة النووية، وأخيراً التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، بـ"علامات" مشابهة.
اللافت أن كل جيل وجد في زمانه ما يبدو "استثنائياً" ومطابقاً للنص. وهذا تحديداً ما يحذّر منه النص نفسه: يسوع، بحسب متى 24، يقول إن هذه العلامات (حروب، مجاعات، زلازل) هي "بداية الأوجاع" فقط، لا الدليل القاطع على النهاية الوشيكة - أي أنها أوصاف لحالة إنسانية متكررة أكثر منها جدول زمني دقيق.
من ناحية أخرى، مؤمنون كثر يرون أن تسارع وتيرة الأحداث (الحروب المتعددة في وقت واحد، الانهيار البيئي، التطورات التقنية غير المسبوقة، الانقسامات العالمية) يستحق تأملاً جدياً، دون الجزم بتوقيت. وهذا هو الموقف الذي تتبناه غالبية الكنائس (الكاثوليكية، الأرثوذكسية، وكثير من البروتستانتية غير الإنجيلية): الانتباه دون التكهن.
رابعاً: لماذا يرفض النص نفسه "حساب" الموعد؟
يتكرر في الكتاب المقدس تحذير صريح من محاولة تحديد التاريخ:
• "لا يعلم بهما أحد... إلا الآب وحده" (متى 24: 36)
• "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه الخاص" (أعمال الرسل 1: 7)
هذا لم يمنع عبر التاريخ محاولات عديدة لتحديد تواريخ دقيقة للنهاية - كلها فشلت. هذا النمط المتكرر من التوقعات الفاشلة هو نفسه سبب دعوة معظم اللاهوتيين اليوم إلى الحذر من القراءات "الآنية" التي تربط حدثاً سياسياً معيناً مباشرة بالنبوءة.
الكتاب المقدس يتحدث فعلاً عن نهاية للتاريخ كما نعرفه، لكنه يقدّمها كحقيقة إيمانية غايتها الدعوة إلى اليقظة الأخلاقية والروحية، لا كجدول زمني يمكن فك شيفرته من الأحداث اليومية. أما مسألة "هل نقترب من الساعة"، فهي سؤال إيماني وتأويلي بامتياز: يعتمد على المدرسة اللاهوتية التي ينتمي إليها القارئ، لا على "دليل" موضوعي قاطع. الموقف الذي تكرر عبر العصور - وربما الأكثر اتساقاً مع نص الكتاب نفسه - هو أن يعيش المؤمن "كأن النهاية قريبة" من ناحية الاستعداد الروحي، دون أن يدّعي معرفة موعدها.
الأب ميشال عبود الكرملي
الرئيس العام لرهبانيّة الكرمليّين الحفاة في لبنان