كتّاب المحبّة
الموارنة والمردة: حين صار التمرّد مرادفًا للحرية
هناك شعوبٌ تكتب تاريخها بالحبر، وأخرى تكتبه بالسيف. أمّا شعب الجبل اللبناني فكتبه بالصبر.
وحين نتأمّل تاريخ الموارنة، لا نجد أنفسنا أمام سيرة جماعة دينية فحسب، بل أمام ملحمة إنسانية طويلة، نسجتها الصخور والوديان والأديرة، والمنافي، والصلوات، والدموع. إنّه تاريخ شعبٍ لم يبحث يومًا عن المجد في قصور الملوك، بل وجده في الكهوف المعلّقة على السفوح، وفي الأجراس التي ظلّت تقرع رغم تبدّل الإمبراطوريات وسقوط العروش.
ولعلّ من أكثر القضايا إثارةً في هذا التاريخ تلك العلاقة التي ربطت الموارنة بالمردة. فليس السؤال هنا سؤال أسماء فحسب، بل سؤال معنى. هل كان المردة هم الموارنة؟ أم كانوا حلفاءهم؟ أم أنّ التاريخ مزج بين الجماعتين حتى بات من الصعب الفصل بينهما؟
إنّ البحث في هذه المسألة يأخذنا إلى قلب التجربة المارونية نفسها، حيث يلتقي الإيمان بالحرية، والرهبنة بالمقاومة، والجبل بالإنسان.
لقد كتب الأديب والسياسي اللبناني إدوار حنين عبارةً تبدو وكأنها مفتاح هذه القضية كلها حين قال: "المارونية تمرّد على السلطان وخضوع للإيمان". وفي هذه الكلمات القليلة تخبّئ قرون طويلة من التاريخ. فالتمرّد هنا ليس نزوة سياسية عابرة، ولا ثورة على كل سلطة، بل رفضٌ للخضوع لكل ما يُهدّد حرية الضمير والإيمان. والخضوع ليس استسلامًا للضعف، بل انحناءً أمام الله وحده.
من هنا يكتسب اسم "المردة" دلالته الخاصة. ففي اللغة السريانية، تعني كلمة "مَرودا" المتمرّدين. لكنّ السؤال يبقى: متمرّدين على مَن؟
لقد وُلد المردة في منطقة كانت تشبه برميل بارود دائم الاشتعال. فمنذ القرن السابع الميلادي كانت بلاد الشام مسرحًا لصراعٍ بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة العربية الإسلامية الصاعدة. وبين القوتين العظميين عاشت جماعات الجبال التي رفضت أن تكون مجرّد رقم في معادلات السياسة الدولية. فكانت تتمرّد على هذا حينًا وعلى ذاك حينًا آخر، دفاعًا عن استقلالها ووجودها.
في هذا السياق يربط البطريرك الطوباوي اسطفان الدويهي بين المردة والموارنة. فهو يروي أنّ الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الرابع بوغوناتس أرسل المردة إلى لبنان سنة 676م ليشكّلوا حاجزًا عسكريًا في وجه العرب. وفي تلك المرحلة برز يوحنا مارون (البطريرك الأوّل) الذي أخذ يجول بين الجماعات المنتشرة في الجبال، يبشّر ويعلّم ويجمع المؤمنين حوله. ويذهب الدويهي إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أنّ هؤلاء المردة أنفسهم أصبحوا لاحقًا جزءًا من الرعية التي خضعت لسلطة يوحنا مارون الروحية، وأنّ الموارنة والمردة لم يكونوا جماعتين منفصلتين بل وجهين لحقيقة تاريخية واحدة.
ولا تبدو هذه الرواية غريبة إذا ما تذكّرنا طبيعة الجبال اللبنانية في ذلك الزمن. فالجبال لم تكن حدودًا تفصل الشعوب، بل كانت أوطانًا تولد فيها الهويات الجديدة. هناك، بين العزلة والحاجة إلى البقاء، كان الدين يتحوّل إلى هوية جماعية، وكانت الحرية تتحوّل إلى ضرورة وجودية.
غير أنّ هذه الرؤية لم تلقَ إجماعًا بين المؤرخين. فالأب اليسوعي هنري لامنس قدّم قراءة مختلفة تمامًا. فهو يرى أنّ الموارنة كانوا جماعة آرامية سريانية عاشت في شمال سوريا ووسطها، وانتشرت في حمص وحماة وشيزر ومنبج وقنسرين. وقد دفعتها الصراعات العقائدية، ولا سيّما نزاعاتها مع اليعاقبة، إلى الهجرة التدريجية نحو لبنان. وبحسب لامنس، لم تكن هذه الهجرة حدثًا واحدًا، بل مسيرة طويلة امتدت عبر عقود وربما أجيال. وعندما وصل الموارنة إلى لبنان وجدوا أنفسهم في ظلّ نفوذ المردة، فاحتموا بهم واستفادوا من قوتهم العسكرية. وهكذا يميّز لامنس بين الجماعتين، وإن كان يعترف بالتقارب الكبير الذي جمع بين مصيريهما.
لكنّ النقاش لم يتوقف عند هذا الحد. ففي محاولة لتحديد هوية المردة، عاد لامنس إلى ما أورده البلاذري وإلى أبحاث المستشرق الألماني نولدكه، فاعتبر أنّ المردة هم أنفسهم الجراجمة أو على الأقل أقرب الجماعات إليهم. وكانت جرجومة، الواقعة على جبل اللكام، موطنًا لجماعات عُرفت بمهارتها العسكرية وبقدرتها على التحرك بين القوى المتصارعة. وقد بدا التشابه كبيرًا بين أخبار الجراجمة وأخبار المردة: المكان نفسه، والأحداث نفسها تقريبًا، والمعاهدات نفسها، والمصير نفسه.
غير أنّ المطران يوسف الدبس رفض هذه القراءة بشدّة. ففي كتابه "الجامع المفصّل في تاريخ الموارنة المؤصّل" وفي سلسلة مقالاته الشهيرة في مجلة المشرق، خاض معركة فكرية حقيقية دفاعًا عن فكرة أنّ المردة هم الموارنة أنفسهم. ورأى الدبس أنّ الرواية التاريخية تصبح أكثر انسجامًا عندما نفهم المردة بوصفهم الجماعات المارونية التي سكنت جبال لبنان وسوريا، وخاضت المواجهات ضد المسلمين حينًا وضد البيزنطيين حينًا آخر عندما شعرت بالخيانة. وقد استند في دفاعه إلى سؤال بسيط وعميق في آن: إذا لم يكن المردة هم الموارنة، فمن يكون هذا الشعب الكبير الذي ملأ جبال لبنان، وسيطر على مناطق واسعة من الشام، وترك أثره في المصادر البيزنطية والعربية، من دون أن نعرف متى جاء أو من أين أتى؟
ولم يكن الخلاف بين الدبس ولامنس مجرّد خلاف حول حدث تاريخي. لقد كان خلافًا حول قراءة هوية لبنان نفسها. فالأول كان يرى في المردة التعبير التاريخي عن الشخصية المارونية المقاومة، بينما كان الثاني يميل إلى تفسير أكثر تعقيدًا، وتعدّدًا للأصول، والهجرات، والتحالفات.
وربما لن يُحسم هذا الجدل بصورة نهائية. فالمصادر القديمة ليست محكمةً حديثة تصدر أحكامًا قاطعة، بل هي أصوات بعيدة تصلنا من قرون غابرة، يختلط فيها الواقع بالتفسير، والحدث بالذاكرة.
لكنّ الأهم من الجواب نفسه هو ما يكشفه السؤال. فحين يفتّش اللبنانيون في قصة المردة، فهم في الواقع يفتّشون عن معنى الحرية في تاريخهم. فالحرية في التجربة المارونية لم تكن شعارًا سياسيًا مستوردًا من فلسفات حديثة، بل كانت خبرة معاشة قبل أن تصبح فكرة. كانت قرارًا يوميًا بالبقاء في الجبل بدل النزول إلى السهول الآمنة. وكانت إصرارًا على حماية الهوية حين كان تبديل الهوية طريقًا أسهل إلى النفوذ والنجاة.
ومن هنا، سواء كان المردة هم الموارنة أو كانوا حلفاءهم، فإنّ الاسم تجاوز منذ زمن طويل حدوده التاريخية الضيقة. لقد تحوّل إلى رمز. رمزٍ للإنسان الذي يرفض أن يُشترى. ورمزٍ للمؤمن الذي لا يساوم على إيمانه. ورمزٍ لشعبٍ اختار أن يبقى صغيرًا في العدد كي يبقى كبيرًا في الحرية.
وربما لهذا السبب لم يبقَ المردة مجرّد صفحة في كتاب تاريخ. لقد أصبحوا استعارةً للبنان نفسه. ذلك الوطن الذي لم يكن يومًا الأقوى بين جيرانه، لكنه ظلّ، عبر القرون، المكان الذي لجأ إليه الهاربون من الاضطهاد، والباحثون عن فسحة حرية، والمؤمنون بأنّ كرامة الإنسان أثمن من كلّ إمبراطورية. وفي هذا المعنى العميق، لا يعود المردة مجرّد جماعة من القرن السابع الميلادي، بل يصبحون أحد الأسماء الأولى لفكرةٍ سترافق لبنان طوال تاريخه:
أنّ الحرية ليست امتيازًا يمنحه الأقوياء، بل رسالة يحملها الذين يرفضون أن يركعوا إلا لله.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية