كتّاب المحبّة
“الموت ابتُلع في الغلبة”
في تذكار الموتى المؤمنين، تدعونا الكنيسة إلى الوقوف أمام سرّ الموت لا بعين الخوف واليأس، بل بعين الإيمان والرجاء. فنحن لا ننكر وجع الفراق، ولا نتجاهل حقيقة الموت، لكنّنا نؤمن أنّ المسيح القائم من بين الأموات جعل من الموت عبورًا إلى الحياة. ومن خلال قراءتَي هذا الأحد، نكتشف أنّ الموت ليس نهاية الحكاية، بل إنّ الكلمة الأخيرة هي لله، إله الحياة والقيامة.
-أوّلًا: الموت حقيقة، لكنّه ليس النهاية.
يقول القدّيس بولس: «إنّ هذا الفاسد لا بدّ له أن يلبس عدم الفساد، وهذا المائت أن يلبس عدم الموت». (1 قورنتس 15: 53). إنّ الموت يذكّرنا بحدود الإنسان وهشاشة وجوده، لكنّه لا يلغي كرامته ولا يمحو هويّته أمام الله. فالجسد الذي يعود إلى التراب ليس منسيًّا عند خالقه، بل ينتظر القيامة والتحوّل إلى حياة لا فساد فيها. وفي مثل الغنيّ ولعازر نكتشف أنّ الموت يضع حدًّا لمقاييس العالم، ويكشف حقيقة القلب: فليس المهمّ ما امتلكناه، بل كيف أحببنا، وليس ما جمعناه لأنفسنا، بل ما أعطيناه للآخرين. وكما يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، إنّ الفقير ليس غريبًا عنّا، بل هو أمانة في أعناقنا. لذلك، فإنّ تذكار موتانا ليس مجرّد استعادة لذكرياتهم، بل دعوة لنا إلى مراجعة حياتنا قبل أن نقف أمام الله.
ثانيًا: المسيح هو الحياة، والدينونة لقاء مع صوته.
يعلن يسوع في إنجيل يوحنّا: «تأتي ساعة، وهي الآن، يسمع فيها الأموات صوت ابن الله، والذين يسمعونه يحيون» (يوحنّا 5: 25). المسيح ليس مجرّد من يرافقنا في الموت، بل هو الذي يملك سلطان الحياة، ويقيم الأموات، ويدعو الجميع إلى الحياة الأبديّة. ويضيف: «تأتي ساعة فيها يسمع صوته جميع الذين في القبور، فيخرجون منها» (يوحنّا 5: 28-29). هنا نلتقي بسرّ الدينونة: إنّها لحظة انكشاف حقيقة حياتنا أمام الله، حيث تظهر ثمرة إيماننا ومحبّتنا وأعمالنا. لذلك، لا ينبغي أن يكون تذكار الموتى مناسبة للخوف من الموت، بل مناسبة للإصغاء اليوم إلى صوت المسيح، ولعيش وصيّته في المحبّة والغفران والرحمة. فكما أنّ حبّة الحنطة تقع في الأرض وتموت لتأتي بثمر كثير (يوحنّا 12: 24)، هكذا تصبح حياتنا، حين تُعاش في بذل الذات والمحبّة، بذرة رجاء لا يبدّدها الموت.
ثالثًا: الكنيسة بيت الرجاء وشركة الحياة.
في أحد تقديس البيعة، نكتشف بُعدًا عميقًا لهذا التذكار: فالكنيسة ليست مجرّد حجارة مقدّسة، بل هي جسد المسيح الحيّ، وجماعة المؤمنين الذين يجمعهم الإيمان والرجاء والمحبّة. وهي تحتضن أبناءها في مسيرة الحياة، وترافقهم في ساعة الموت، وتبقى أمًّا تصلّي من أجل أبنائها الراقدين على رجاء القيامة. إنّ تقديس الكنيسة الحقيقيّ لا يكتمل بجمال هيكلها، بل بقداسة أبنائها، وبأن تصبح بيتًا للمحبّة، وملجأً للمتألّمين، ومكانًا تُصان فيه كرامة الإنسان. وهذا هو رجاؤنا: أن تكون حياتنا كلّها مسيرة نحو الله، وأن تبقى المحبّة التي عشناها على الأرض ثمرةً لا تزول.
-أيّها الأحبّاء،
نذكر اليوم موتانا، لا لأنّ الموت انتصر عليهم، بل لأنّنا نؤمن أنّ المسيح انتصر على الموت. نصلّي من أجلهم، ونستودعهم رحمة الله، ونجدّد التزامنا بأن نعيش حياتنا بوعي ومسؤوليّة، وأن نجعل منها حبّة حنطة تعطي ثمرًا كثيرًا.
ولنردّد مع القدّيس بولس، بثقة أبناء القيامة:
“أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟... والشكر لله الذي آتانا الغلبة بربّنا يسوع المسيح” (1 قورنتس 15: 55-57).آمين
الخوري جوني التنوري
من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه