كتّاب المحبّة

في أحد تجديد البيعة: "أنا والآب واحد… وخرافي تسمع صوتي"

في أحد تجديد البيعة: "أنا والآب واحد… وخرافي تسمع صوتي"

نحتفل اليوم بأحد تجديد البيعة، وهو عيد يحمل في تاريخ شعب الله ذكرى تطهير الهيكل وإعادته إلى العبادة الحقيقية، بعدما دنّسته الأصنام والممارسات الوثنية.

ففي القرن الثاني قبل الميلاد، وبعد اضطهاد الملك أنطيوخوس الرابع لليهود، قاد متتيا المكابي وأبناؤه ثورة انتهت بتحرير أورشليم وتطهير الهيكل سنة 164 قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، صار عيد التجديد مناسبة لاستعادة قداسة الهيكل وتكريس الحياة لله من جديد.

لكن الإنجيل يأخذنا إلى ما هو أبعد من ذكرى تاريخية. ففي عيد التجديد نفسه، يقف يسوع في الهيكل، ويسأله اليهود: «إلى متى تُبقي نفوسنا حائرة؟ إن كنت أنت المسيح، فقل لنا صراحة».

وهنا تكمن المفارقة: إنهم يحتفلون بتطهير الهيكل، لكنهم لا يتعرّفون إلى ذاك الذي جاء ليجدّد الإنسان من الداخل. إنهم يطلبون مسيحًا يحرّرهم من سلطة خارجية، بينما جاء المسيح ليحرّرهم من عبودية الخطيئة، ويعيدهم إلى علاقة البنوة مع الآب.

من هنا، تدعونا كلمة الله اليوم إلى أن نتأمّل في ثلاثة أبعاد أساسية لتجديد البيعة: تطهير الهيكل، والتعرّف إلى الراعي، وتجديد عهد الانتماء إليه.

أولاً: تجديد البيعة يبدأ بتطهير الهيكل الداخلي.

في القراءة الأولى، نرى مشهدًا قاسيًا من تاريخ إسرائيل، مع القضاء على بيت آحاب المرتبط بعبادة البعل والأصنام. إنها صورة عن شعب ابتعد عن الله، واستبدل العبادة الحقيقية بعبادة آلهة غريبة.

وفي خلفية عيد التجديد، نرى الهيكل الذي دنّسته الأصنام، والمذبح الذي فقد قدسيته، والأنوار التي انطفأت، وكأن بيت الله لم يعد يعكس حضور الله.

لكن السؤال الذي تطرحه علينا هذه القراءات ليس: كيف نطهّر هيكلًا من الحجارة؟ بل: كيف نطهّر الهيكل الذي هو قلب الإنسان؟

فالقديس بولس يذكّرنا: «أما تعلمون أنكم هيكل الله، وأن روح الله يسكن فيكم؟» (1 كور 3: 16).

كم من مرة نحافظ على المظاهر الدينية، وننسى أن الله يريد قلبنا! قد نعتني ببيوتنا وكنائسنا، ونحرص على جمال المذابح، لكننا نسمح في داخلنا لأصنام كثيرة أن تستقر: صنم الكبرياء، وصنم المال، وصنم السلطة، وصنم المصلحة الشخصية، وصنم الحقد والرغبة في الانتقام. وقد يصبح الإنسان نفسه صنمًا لنفسه، حين يضع إرادته فوق إرادة الله، ومصلحته فوق مصلحة الآخرين، وكرامته الشخصية فوق المحبة والغفران.

ويذكّرنا القديس يوحنا الذهبي الفم بأن إصلاح الإنسان يبدأ من الداخل، وأن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن نقاوة القلب وممارسة المحبة. فالإنسان لا يكرّم الله بكلامه وصلواته فقط، بل بحياته التي تعكس حضوره ورحمته. وهذه هي بداية التجديد: أن نعيد الله إلى المكان الأول في حياتنا، وأن نسمح له بأن يدخل إلى المساحات التي أغلقناها أمامه.

وفي هذا الإطار نفهم كلام الرسالة إلى العبرانيين: «فكم بالحري يكون دم المسيح، الذي بروح أزلي قرّب نفسه لله بلا عيب، مطهّرًا ضمائرنا من أعمال ميتة لنعبد الله الحي؟».

إن دم المسيح لا يطهّرنا تطهيرًا خارجيًا فحسب، بل يلامس أعماقنا، ويحرّر ضمائرنا، ويعيد إلينا القدرة على أن نحبّ ونغفر ونبدأ من جديد. فالتجديد الحقيقي لا يبدأ بتغيير ما حولنا، بل بالسماح لله بأن يغيّر ما في داخلنا.

ثانيًا: تجديد البيعة هو أن نتعرّف إلى المسيح الراعي الصالح.

في إنجيل اليوم، يأتي اليهود إلى يسوع ويسألونه: «إن كنت أنت المسيح، فقل لنا صراحة».

كانوا ينتظرون مسيحًا سياسيًا وعسكريًا، قائدًا يحرّرهم بقوة السيف، كما حرّر المكابيون شعبهم من الظلم اليوناني. لكن يسوع يقدّم لهم صورة مختلفة تمامًا عن المسيح الذي ينتظرونه. إنه لا يأتي ليحكم بالقوة، بل ليخدم بالمحبة؛ لا ليهلك أعداءه، بل ليبذل حياته من أجل خلاص الإنسان. ويعلن لهم حقيقة علاقته بهم: «خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية».

كم هو جميل هذا التعبير: "أنا أعرفها"!

فالمسيح لا يعرفنا كأعداد في جماعة، ولا كأسماء في سجلات المعمودية، بل يعرف كل واحد منا باسمه، وبوجعه، وبضعفه، وبانتظاراته، وبما يحمله في قلبه من خوف ورجاء.

إنه الراعي الذي لا يكتفي بأن يقود القطيع، بل يعرف كل خروف، ويهتم به، ويحميه، ويمنحه الحياة. ويقول البابا فرنسيس في إرشاده الرسولي «فرح الإنجيل» إن الراعي الصالح ينبغي أن تكون له رائحة الخراف. أي أن يكون قريبًا من الناس، حاملًا أفراحهم وأوجاعهم، لا بعيدًا عنهم أو منفصلًا عن حياتهم. وهذه دعوة لكل واحد منا: أن نتساءل أي صورة نحمل عن المسيح؟

هل نريده فقط عندما تضيق بنا الحياة، وعندما نحتاج إلى حلّ لمشكلة أو شفاء من مرض أو خروج من أزمة؟ هل نبحث عنه ليحقّق رغباتنا، أم نبحث عنه لكي نتعلّم كيف نعيش بحسب إرادته؟

أن نكون من خراف المسيح لا يعني أن نتبعه خوفًا من العقاب، ولا لأننا ورثنا إيمانًا أو اعتدنا ممارسة دينية، بل لأننا اختبرنا محبته، واكتشفنا أن حياتنا تكون أكثر أمانًا ومعنى عندما نسير معه. ويذكّرنا القديس يوحنا بولس الثاني بأن الإيمان المسيحي يبدأ بلقاء شخص، هو المسيح، الذي يمنح الحياة أفقًا جديدًا واتجاهًا حاسمًا.

لذلك، فإن تجديد البيعة هو أن نعود إلى هذا اللقاء الشخصي مع المسيح، وأن نتعلّم الإصغاء إلى صوته وسط ضجيج العالم، وأصوات المصالح والخوف والمظاهر والإغراءات. فليس المهم أن نكون قريبين من الهيكل بالجسد، بل أن نكون قريبين من قلب المسيح بالإيمان والمحبة.

ثالثًا: تجديد البيعة هو تجديد عهدنا مع الكنيسة والانطلاق في رسالة.

يصل الإنجيل بنا إلى ذروة الإعلان المسيحي، حين يقول يسوع: "أنا والآب واحد".

هذه ليست مجرد عبارة عن وحدة في الفكر أو الإرادة، بل إعلان عن هويته الإلهية، وعن وحدته الجوهرية مع الآب. إنه الابن الذي أرسله الآب إلى العالم، والذي جاء ليعيد الإنسان إلى علاقة البنوة، ويمنحه الحياة الأبدية.

وهنا تلتقي القراءات الثلاث: ففي سفر الملوك نرى تطهيرًا تاريخيًا ناقصًا، وفي الرسالة إلى العبرانيين نكتشف التطهير النهائي بدم المسيح، وفي الإنجيل نتعرّف إلى هوية الذي يهبنا هذا التطهير والحياة: إنه ابن الله والراعي الصالح.

لكن هذا التجديد الذي يمنحنا إياه المسيح لا يبقى خبرة فردية أو روحية معزولة، بل يدخلنا في جماعة هي الكنيسة، جسد المسيح. فالكنيسة ليست مجرد بناء نجتمع فيه للصلاة، وليست مؤسسة ننتمي إليها بالاسم أو بالعادات والتقاليد. إنها عائلتنا الروحية، والجماعة التي تجمعنا حول كلمة الله والإفخارستيا، وتدعونا إلى أن نعيش المحبة ونشهد للإنجيل.

ولهذا فإن تجديد البيعة يعني أيضًا تجديد عهدنا مع الكنيسة: أن نحبها، ونحافظ على وحدتها، ونصلّي من أجل رعاتها، ونتعاون في رسالتها، ونكون أبناء مسؤولين فيها، لا متفرجين على حياتها، ولا ناقدين من خارجها.

وقد شدّد المجمع الفاتيكاني الثاني في دستور «نور الأمم» على أن جميع المؤمنين مدعوون إلى القداسة، كلّ بحسب دعوته وموقعه في جسد الكنيسة.

وهذا يعني أن قداسة الكنيسة لا تُبنى على جهود الكهنة والرعاة وحدهم، بل على أمانة كل معمّد لدعوته: في العائلة، والعمل، والرعية، والمجتمع.

ومن هنا، لا يكفي أن نطلب كنيسة متجدّدة، بل علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا أفعل أنا لكي تتجدّد كنيستي؟ هل أبني الوحدة أم أساهم في الانقسام؟ هل أزرع المحبة أم أزيد الخصومات؟ هل أكون شاهدًا للإنجيل أم حجر عثرة أمام الآخرين؟

إننا لا نجدّد البيعة لكي نحافظ على ذكرى جميلة من الماضي، بل لكي ننطلق منها نحو المستقبل، حاملين نور المسيح إلى عالم يحتاج إلى المحبة والرجاء والسلام. وهنا تحضرنا مريم العذراء، مثال الكنيسة والإنسان الذي جعل حياته كلها مسكنًا لله. لقد قالت: «ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك». لم تكتفِ بأن تسمع كلمة الله، بل قبلتها وعاشتها، وصارت حياتها كلها شهادة لحضوره. هي تعلّمنا أن التجديد يبدأ بالطاعة لكلمة الله، ويتجسّد في الخدمة، ويكتمل بالمحبة. الكنيسة تتجدّد عندما يتجدّد أبناؤها، والبيعة تتقدّس عندما تصبح حياتنا اليومية امتدادًا لما نحتفل به على مذبح الرب.

في عيد تجديد البيعة، لا يسألنا الرب كم شمعة أضأنا، ولا كم مرة دخلنا الهيكل، بل يسألنا: هل أضأنا قلوبنا بنور حضوره؟ هل فتحنا له أبواب حياتنا؟ وهل تعلّمنا أن نسمع صوته ونتبعه؟

فلنحمل معنا اليوم ثلاث دعوات:

• أن نطهّر هيكل قلوبنا من كل صنم يبعدنا عن الله.

• أن نتعرّف إلى صوت المسيح الراعي الصالح، ونضع ثقتنا به.

• أن نجدّد عهد انتمائنا إلى الكنيسة، ونكون حجارة حيّة في بنائها وشهودًا لمحبته في العالم.

ولنتذكّر أن المسيح لا يأتي ليهدم الإنسان، بل ليجدّده؛ لا يأتي ليطفئ ما بقي فيه من نور، بل ليعيد إشعاله؛ لا يأتي ليحكم عليه بالموت، بل ليمنحه الحياة الأبدية.

فلنفتح له أبواب قلوبنا، ولنقل له بإيمان:

يا رب، جدّد بيعتك في داخلنا، وطهّر هيكلنا من كل ما لا يشبهك، واجعلنا نسمع صوتك ونتبعك. جدّد كنيستك، وبارك رعاتها وأبناءها، واجعلها بيتًا للمصالحة، ومدرسة للمحبة، وشاهدًا لسلامك في العالم. ولتبقى كلماتك نورًا لطريقنا ورجاءً لحياتنا:

"خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية". لك المجد، أيها المسيح، الراعي الصالح، مع أبيك وروحك القدوس، الآن وإلى الأبد. آمين.


الخوري جوني التنوري

من الأبرشية البطريركية منطقة جونيه


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم