كتّاب المحبّة
ولو يا يهوذا!
ولو يا يهوذا…؟ّ
أخاطبك اليوم لأنّ فيك مرآةً نتعلّم منها.
أخاطبك أنت، يهوذا الإسخريوطي، لا ذاك يهوذا الآخر الذي بقي أمينًا للمعلّم.
أخاطبك لأني ما زلت أستغرب: كيف خنت مَن أحبّك؟ وكيف بعتَ مَن اختارك؟
ألم يخترك المسيح؟
ألم ينتقيك الربّ من بين آلاف تبعوه؟
كم من إنسان حاول فقط أن يلمس لو هدب ثوبه ولم يستطع!
وكم من مريض صرخ من بعيد طالبًا الشفاء!
أما أنت… فكنت قريبًا من قلبه، متربّعًا عند قدميه، تأكل معه وتشرب، وتسمع نبرة صوته وهو يكشف لك وللتلاميذ أسرار الملكوت.
ألم تسمع منه كلمات الحياة؟
ألم تكن حاضرًا حين قال لكم:
“لا أعود أدعوكم عبيدًا بل دعوتكم أحبائي” ؟
ألم يفتح قلبه أمامكم؟
ألم يخبركم بما سمعه من الآب؟
ألم تتذوّق حنان صوته حين كان يقول لكَ ولكل واحد منكم:
“من يتبعني يخلص… من يؤمن بي وإن مات فسيحيا” ؟
لقد سمعتَ منه التطويبات، وسمعت الوصيّة الجديدة:
"أحبّوا أعداءكم… باركوا لاعينيكم... ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه".
ألم ترَ عجائبه بعينيك؟
ألم تكن في السفينة حين هدّأ الريح والبحر ولم تغرقوا؟
ألم ترَ بطرس يمشي على الماء، كيف غرق عندما شك، ثم ينهض بكلمة منه؟
ألم تكن بين الذين نالوا الخبز من يديه ليُطعِم الآلاف؟
ألم تشهد المخلّص يشفق على المساكين، ويبرّئ المرضى، ويقيم الموتى، ويعزّي المنسحقين؟
يا يهوذا… كم من اعجوبة رأيت!
وكم من نور لمس عينيك وقلبك!
فكيف ظَلَّت الظلمة تسكن في داخلك؟
ومع ذلك… غمستَ اللقمة وخنته...
غسل رجليك تواضعًا.
جلستَ بقربه على المائدة.
غمستَ اللقمة في الطبق معه.
فكيف غادرتَ لتبيعه؟
وكيف صار الثلاثون من الفضة أغلى عليك من صديقك، ومعلّمك، وربّك؟
جئته بقبلة…
قبلة جعلتها علامة خيانة، لكنّه لم يبادلك إلا بالسلام:
"يا صديقي…"
لم يتغيّر تجاهك، ولا سحب صداقته منك، رغم أنّك كنت تسلّمه للموت.
ولو يا يهوذا!… لو عدت إليه
عندما استيقظ ضميرك، عندما أدركت خطيئتك،
لو ركضت إليه… لو بكيت عند قدميه…
لكان غفر لك.
هو الذي غفر لصالبيه وقاتليه، أما كنت أولى بالغفران؟
إنّما الخيانة قتلتك… قتلت النفس والجسد والروح، فهلكت قبل رحمة الربّ أن تمسّك.
يهوذا… صار درسًا للأجيال
لم تكن تعلم أنّك ستصبح مرآةً للعالم.
أصبحت درسًا مرًّا، وعبرة تُروى عبر الزمن.
فكم من "يهوذا" ظهر في البيوت!
وكم من خيانة مزّقت جماعات!
وكم من طعنات غدرت بأصدقاء وأشقاء!
فالويل لمن يختار طريق يهوذا.
والويل لمن يبيع الحبّ بالفضّة، والصداقة بالمصلحة، والقيم بالشهوة.
لكن التطويب للمجروح الذي يحتمل الخيانة.
طوبى لمن يحمل خيانة الآخرين بصبر المسيح.
طوبى لمن يقف على درب الصليب دون أن يردّ الشرّ بالشرّ.
فبعد الجمعة السوداء، هناك قيامة.
وبعد ظلمة القبر، هناك نور.
وبعد الخيانة… هناك وجه يسوع، نور الحياة.
لا تتغيّر لأنّ الآخرين تغيّروا.
فإن ابتعد عنك أصدقاء كُثر، فلا تتعجّب:
هم لم يتغيّروا… هم اعتزلوا التمثيل فقط، وسقطت الأقنعة.
أما انت، كن كما أنت.
لا تسمح للمرارة أن تغيّرك، بل إسمح للألم أن يصقلك.
فالذهب يُمَحَّص بالنار ليبقى ذهبًا.
وأنت جوهر، فلا تدع خيانة يهوذا تُطفئ قيمة قلبك.
يا ربّ،
أعطنا قلبًا لا يخون،
وقوّة لنحتمل إن خُنّا، اي تمت خيانتنا،
ونورًا يبدّد ظلمة القبر في داخلنا،
لكي ننهض معك إلى قيامة جديدة.
الأب ميشال عبود
من رهبانيَّة الكرمَليِّين الحفاة في لبنان