كتّاب المحبّة
رجاء الشُّعوب وانتظار الأجيال ... هو رجاؤنا نحن
لا يستطيع أيُّ إنسان أن يعيش من دون أنْ يرجو شيئًا ما. والسَّبب بسيط: إنَّ وجودنا يَـمتَدُّ بين ماضٍ وحاضر ومستقبل. ونحن نتطلَّع دومًا صوب المستقبل، ونريده "أفضل" و"في تَقدُّمٍ" دائم. إنَّه المستقبل الَّذي نبنيه عبر عملنا اليوميّ والتزاماتنا الـمُتَنوِّعة داخل الأسرة والمهنة والمجتمع؛ وإليه نوجِّه رغباتنا.
لا ينتزع الإيمانُ المسيحيّ المؤمنَ من حاله البشريَّة، بل نجده يَتَمَوضَع في مواقفنا الأساسيَّة، لكي يرفعها إلى مستوى أعلى. إنَّه يُـحَوِّل الأملَ الَّذي يسكننا إلى فضيلةٍ «لاهوتيَّة»، أيّ إلى عطيَّةٍ من الله، يُطلِق عليها اسم "الرَّجاء"؛ وهي فضيلةٌ موجَّهة نحو الخلاص الَّذي وعد به الله.
إنَّ عيد ميلاد ربِّنا بالجسد، هو زمنٌ مميَّزٌ للاحتفال بالرَّجاء الَّذي يغمر قلوبنا، وللتَّحلِّي بالرَّجاء إذا كان قد ضَعُف فيها. لذا، تهدف هذه الصَّفحات اللِّيتورجيَّة إلى أنْ تفتح عيوننا على أهمِّيَّة نصوص آحاد زمن الميلاد، بحسب كتاب القدَّاس المارونيّ (بكركي، 2005)، لنتذوَّق ماهيَّة الرَّجاء المسيحيّ وانعكاسه في حياتنا اليوميَّة.
فَهَلُمَّ لننطلق معًا في اتِّـجاهاتٍ أربعةٍ على طريق الرَّجاء الـمُتَشَعِّب المفارق: من الرَّجاء والوعد، إلى حقيقة الانتظار الفاعِل، فتحقيق الوعد المرجوّ، وذلك في قلب البيعة المؤمنة.
1.الرَّجاء والوعد
إنَّ الرَّجاءَ المسيحيّ يتمَّ في تاريخ الإنسان: في الماضي والحاضر والمستقبل. في الماضي، تحقَّق الوعد بإرسال يسوع، الَّذي ولِدَ ومات وقام من بين الأموات. ويتحقَّق في الحاضر، عبر مواهب الرُّوح وعطاياه، الَّذي يجعلنا نعيش في صداقةٍ مع الله. أمَّا الخلاص الآتي، فيتمّ بوعد الـمَجيء الثَّاني للمسيح، والحياة الأبدية. لذلك، نحن مشدودون نحو المستقبل؛ ونقول للرَّب: "مارانا تا: تعال، يا ربَّنا يسوع!" (رؤ 22: 20). إذ إنَّ خلاصنا يستند إلى الرَّجاء، لأنَّ "الرَّجاء الـمَنظور، لا يكونُ رجاء" (روم 8: 24). ومع إبراهيم بدأت مسيرة الرَّجاء الطَّويلة في البيبليا: "إذ آمن إبراهيم راجيًا، حيث لا رجاء" (روم 4: 18). ونجد، في أحد بشارة زكريَّا (ص 77)، إشارةً إلى وعد الله الَّذي سوف يتحقَّق في ما بعد:
"تَـمَّ وَحيُ الرُّوحْ في قولِ البارّْ آشعيا الـمُختارْ:
مِنْ أصلِ العودِ العُريانْ يَـخرجُ فَرْعٌ ريَّانْ
كي يَجلو السُّبْلا والوَعرُ يُضحي سَهْلا
بالعمادِ قد أقبَلْ فيهِ يُغسَلْ الخاطي مِنَ الأدرانْ!".
ويكشف لنا أحد النِّسبة (ص 130) الارتباطَ الوثيق بين الرَّجاء بالوعد الَّذي أعطاه الله لشعبه، من جهة، وتحقيق هذا الوعد في يسوعَ ابنِ مريم، الَّذي تجسَّد في ملءْ الزَّمان، من جهةٍ أُخرى؛ إذ نجد ما يلي:
"بالميلادِ جَسَّدَ كلَّ الرَّجاءْ
مِلْءَ وَحي الأنبياءْ".
2.الرَّجاء والانتظار
يرتبط الرَّجاء ارتباطًا عميقًا بالانتظار، لأنَّه يتطلَّب انشدادًا صوب المستقبل الَّذي يبقى غائبًا وغير منظور. أنْ ينتظر المسيحيّ شخصًا ما أو حدثًا ما، وهو يعيش الرَّجاء، لا يعني أنْ يتَّخذ موقفًا سلبيًّا، أيّ ألَّا يفعل شيئًا. بل على العكس، أنْ يكون فاعِلًا: الانتظار، في هذه الحالة، هو فعل ثقةٍ بِـما أو بِـمَن سيأتي؛ انتظارٌ مبنيٌّ على وعدٍ وحقيقة. وهذا ما نكتشفه في صلوات أحد بشارة زكريَّا (ص 79)، إذ نجد على سبيل المثال:
"ألسِّرُّ الحيُّ الأسمى عنَّا اللهُ أخفاهُ
ملوكٌ وأنبيا تاقوا مَرآهُ
أضحى مِثلَنا إنسانْ عَمَّتْ بُشراهُ الأكوانْ
بالإيمانِ نَلقاهُ طابَ مَلقاهُ".
ولكل نتمكَّن، نحن المؤمنين، من أنْ نحيا انتظارًا "فاعِلًا"، نتوجَّه إلى مَنْ نضع فيه رجاءَنا، أي يسوع المسيح "رجاءِ الشُّعوب وانتظار الأجيال" (أحد النِّسبة، ص 122)، ونسأله أنْ يزيدنا إيمانًا، قائلين له: "إملَأْ قلوبَنا من إيمان الآباء القدِّيسين الَّذي انتظروا مجيئَكَ على تَعاقُبِ الأجيال" (ص 121-122).
3.الرَّجاء وتحقيق الوعد بالمسيح
إنَّ ما تتميَّز به المسيحيَّة هو أنَّها تخبرنا بأنَّ رجاءنا مبنيٌّ على أساسٍ متين، لأنَّنا نضع رجاءَنا بشخصٍ يريد أنْ يكون شريكَنا وأنْ يُقيمَ معنا عهدًا: ليس فقط أنَّ الله موجود، بل نحن موجودون من أجل الله، الَّذي يقترب من الإنسان ليَهَبَ ذاته له. إذًا، سببُ رجائنا هو الله، الَّذي جَسَّد محبَّته لنا بإرساله ابنه، «المسيح يسوع، رجائنا» (1 طيم 1: 1)، الَّذي يمنحنا الجرأةَ الَّتي عبَّر عنها مار بولس (راجع 2 قور 3: 12).
ويوضح أحد البيان ليوسف (ص 112)، كيف أنَّ يسوع الحالّ في "بنتِ داود" هو الرَّجاء الَّذي أنشدته الشُّعوب. وكان الهدف من تجسُّده خلاصُ آدم الَّذي هَلَك:
"حلَّ في بنتِ داود نجَّى آدمَ الـمَنكودْ
تَـمَّتْ فيهِ أقوالُ الأنبياءِ والرَّجا الـمَنشود".
ونجد الحقيقةَ اللَّاهوتيَّة عينها في أحد النِّسبة (ص 126)، كالآتي:
"يا خَفيًّا تَـمَجَّدْ مُشرِقًا مِلءَ الأجيالْ
مِن عذارءَ تَـجَسَّدْ كي يُـخلِّصَ الإنسان".
ويكتمل الحدث اللَّاهوتيّ، أي الوعد الَّذي تَحقَّق، في خدْمة عيد الميلاد (ص 133)، الَّتي تورد: "بِـميلادِكَ أعلنَ الملائكةُ للرُّعاة: لقَد وُلِدَ لكم اليومَ مخلِّصٌ، هو الرَّبُّ المسيحُ في مدينة داود". وما هذا المخلِّص سوى "قِبْلَةِ الأنظار"، أي أنَّ الجميع كانوا يتطلَّعون إليه؛ وما هو سوى "شمسِ العهد الجديد" و"مصدرِ الأنوار" (ص 136) الَّذي يَبلغ بالرَّجاءِ الَّذي اختبَرَه المؤمنُ إلى الغاية: أن تستنير حياة المؤمن.
4.البيعة: مكان الاحتفال بالوعد الـمُحقَّق وانتظار الاكتمال
تبدأ السَّنة الطَّقسيَّة المارونيَّة بأحد تقديس البيعة وتجديدها، وفيه نحتفل بسرِّ الكنيسة، علامة الوحدة بين البشر وأداتها، الَّتي أسَّسها المسيح لتكون جسده السِّرِّيّ، والَّـتي تنقل إلى المؤمنين كنوز خلاص الثَّالوث القدُّوس. وفي أحد تقديس البيعة وتجديدها تشديدٌ على أنَّ يسوع المسيح هو "البنَّاءُ الحكيم الَّذي شادَ البيعةَ سورًا منيعًا، وأقامَها حِصنًا أمينًا، وبرحمِتِهِ رفَعَها بُرجَ خلاص" (ص 66). وهو قد وعدها بأن يكونُ "معها إلى مُنتهى الدُّهور، مُثبِّتًا إيَّاها بالقداسة، مُوَطِّدًا أركانها على الإيمان، راصِفًا حجارتَها بالمحبَّة، فلا تقوى عليها أبوابُ الجحيم" (ص 67).
وإذا راجعْنا خدْمة جمعة الحواريِّين (ص 387)، نجد أنَّ البيعة هي الَّتي تحتفل بأسرار الابن: إذ هي تُسَرُّ وتفرح بعمله (الاحتفال)، وتُسَبِّحُ (الصَّلاة) وتكسرُ الخبزَ (سرّ القربان) لتوزِّعه على أبنائها. وهذا يعني أنَّ المؤمن الَّذي يَرجو وينتظر، يجد في البيعة، أي جماعة مَنْ آمنوا وتَرَجَّوا، مكانَ تحقيق الرَّجاء الـمَنشود، والاحتفالِ به. ونستشهد ببيتٍ واحدٍ من لحن البخور، كالآتي:
"يا بيعةُ ابتهِجي اليومَ افرَحي
قامَ الحيُّ بالـمَجدِ وسَبِّحي
واكسُري الخبزَ قوتًا مِثْلَ سِمعانْ
ويوحنَّا، أسرارَ الابنِ اشرَحي!".
إنَّ المسيحيّ الَّذي يملأُ رجاءُ المسيح قلبَه، لا يتغافل عن أنَّ حياته على الأرض قد تكون مملوءةٌ أزماتٍ وآلامًا وضيقات. لا بل على العكس، إنَّ عيش الرَّجاء الصَّحيح يساعده على أنْ تكون حياتُه هذه مملوءة فرحًا وسلامًا وتعزيةً وقوَّة (راجع روم 15: 14). وهذا ما يُطمْئِنُنا إليه ربَّنا حين يقول لنا، في عيد رأس السَّنة (ص 149):
"لا تَـجزَعوا إنْ آمنتُمْ بي،
إنِّي حيٌّ، تَـحيَوا أنتمْ بي!
سوفَ تَلقَونَ ظُلمًا ضيقًا في العالَـمْ،
سوفَ تَلقَونَ سِلمًا غَلَبْتُ العالَـمْ:
هللويا مِنْ روحي السَّلامْ!".
لذا، يدفعنا الرَّجاء المسيحيّ الحقّ إلى أنْ نعيش حياتَنا في حال جهادٍ وصراعٍ دائمَين مِنْ أجلِ إحقاق الحقّ وتحقيق العدالة والسَّلام في هذه المدينة الأرضيَّة. وإنْ عِشْنا هذا النَّوع من الرَّجاء، هنا، نكون قد أسَّسْنا لنعيشَ في المدينة السَّماويَّة. إنَّ الرَّجاء الَّذي نحياه، الآن وهنا، هو بالتَّالي رجاءٌ إسكاتولوجيّ، أيّ إنَّه يتجاوز حدودَ وجودنا الأرضيّ. أما قال بولس الرَّسول: «إذا كان رجاؤنا في المسيح لا يتعدَّى هذه الحياة، فنحن أشقى النَّاس جميعًا» (1 قور 15: 19)؟ فالغاية الأخيرة لرجائنا هي أنْ نرى الله كما هو، لنحيا فيه ومنه، لنَّنا "بالرَّجاءِ مُـخَلَّصون" (روم 8: 24).
وفي الختام نهتف اليوم، كما هَتَفْنا في أحد بشارة زكريَّا (ص 81)، قائلين:
"أللَّهُمَّ الـمُجيبُ صوتَ الكاهِنِ الضَّارِعْ
لا تَدَعْنا نَـخيبُ أنتَ الحَنَّانُ السَّامِعْ".
الخوري دانيال زغيب
من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه