كتّاب المحبّة

الصحة… أكثر من مجرد غياب المرض

الصحة… أكثر من مجرد غياب المرض

غالبًا ما يمتلك الإنسان الصحة دون أن يشعر بقيمتها الحقيقية، ولا يدرك أهميتها إلا عندما يواجه المرض أو الضعف أو العجز. فعند فقدانها، يكتشف أن المال والنجاح والمكانة الاجتماعية لا يمكنها أن تعوّض عافية الجسد وطمأنينة النفس. من هنا، تُعدّ الصحة حجر الأساس في حياة الإنسان، وشرطًا ضروريًا للقدرة على العمل، والعطاء، والعيش بكرامة.

لا تقتصر الصحة، كما يعتقد كثيرون، على غياب المرض فقط. فبحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، هي حالة من اكتمال السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية. وهذا المفهوم الشامل يوضح أن الإنسان قد لا يعاني من أمراض مزمنة كارتفاع ضغط الدم أو السكري، ومع ذلك قد لا يكون متمتعًا بصحة حقيقية. فالصحة تتجاوز نتائج التحاليل الطبية لتشمل نمط الحياة، والحالة النفسية، ونوعية العلاقات الاجتماعية، والبيئة المحيطة.

وتكمن الصحة الحقيقية في قدرة الإنسان على التكيّف مع ظروفه، وممارسة حياته اليومية، والشعور بالرضا والاستقرار النفسي والاجتماعي، حتى في ظل وجود مرض أو تحدٍ صحي. فكثيرون يعيشون مع أمراض مزمنة، إلا أنهم يلتزمون بالعلاج، ويتبعون نمط حياة صحيًا، ما يمكّنهم من العمل والإنتاج والشعور بالعافية. وقد يعاني آخرون من إعاقات جسدية، لكنهم يتمتعون بصحة نفسية جيدة واستقلالية وعلاقات إنسانية ناجحة، فيشعرون بالصحة رغم الإعاقة. وكذلك الأمر بالنسبة لمن يعانون من اضطرابات نفسية خفيفة، إذ يمكن للدعم المناسب واستراتيجيات التكيّف أن تساعدهم على عيش حياة متوازنة ومنتجة.

وتبقى صحة الإنسان مفهومًا شخصيًا وذاتيًا، يتأثر بشكل مباشر بالمحيط الذي يعيش فيه. فالهواء النظيف، والمياه الصالحة للشرب، والبيئة الخالية من التلوث، تشكّل ركائز أساسية للصحة. كما أن الابتعاد عن الضوضاء والتوتر، والعيش في بيئة آمنة ومستقرة، يساهمان في تعزيز التوازن الجسدي والنفسي.

ويؤدي الغذاء دورًا محوريًا في الحفاظ على الصحة. فالتغذية السليمة والمتوازنة، الغنية بالخضار والفواكه والعناصر الغذائية الأساسية، تقوّي المناعة وتحمي الجسم من العديد من الأمراض. في المقابل، يؤدي الإفراط في استهلاك الأطعمة المصنعة والدهون والسكريات إلى مشاكل صحية خطيرة قد لا تظهر أعراضها فورًا، لكنها تتراكم مع مرور الوقت.

ولا يمكن فصل الصحة النفسية عن الصحة العامة، إذ إن القلق المزمن والاكتئاب والضغط النفسي قد ينعكس أثرها على الجسد ويؤدي إلى أمراض عضوية. لذلك، يُعدّ التوازن النفسي، والدعم الاجتماعي، وممارسة النشاطات التي تمنح الإنسان الشعور بالراحة والرضا، عناصر أساسية للصحة الشاملة.

وللمحافظة على الصحة، تبرز أهمية اعتماد عادات يومية بسيطة لكنها فعّالة، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، شرب كميات كافية من الماء، النوم الجيد، الابتعاد عن التدخين والعادات الضارة، إجراء الفحوصات الطبية الدورية، إلى جانب الحفاظ على علاقات اجتماعية داعمة وممارسة هوايات تعزّز الشعور بتحقيق الذات.

في المحصلة، ليست الصحة حالة ثابتة تُمنح للإنسان مرة واحدة، بل مسؤولية يومية تتطلب وعيًا والتزامًا ونمط حياة متوازن. إنها كنز حقيقي لا يُقدّر بثمن، وحين يدرك الإنسان معناها الشامل، يصبح أكثر قدرة على الوقاية من الأمراض والتمتع بحياة أفضل وأكثر جودة.


ندين قرقماز -  ممرضة مجازة متخصصة


عودة إلى المقالات