كتّاب المحبّة

"لو دامت لغيرك... ما وصلت إليك"! السلطة والطاعة في الكنيسة

"لو دامت لغيرك... ما وصلت إليك"! السلطة والطاعة في الكنيسة

ليست السلطة في المفهوم الكنسي امتيازًا يُمتلك، ولا موقعًا يُستثمر، بل وديعة تُسلَّم ومسؤولية تُحمل أمام الله والناس فيسطّر التاريخ أحرف الولاية إما بحروف من ذهب أو توضع النقطة الأخيرة في كتاب الحياة الذي يتآكله غبار المجتمع.

في هذا السياق يكتسب القول المأثور: «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك» بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، إذ يذكّر كل من أُوكلت إليه السلطة الكنسية، بأن ما بين يديه ليس أبديًا، وما ناله لم يكن حكرًا عليه، بل هو ثمرة تداولٍ إلهيٍّ للتاريخ والأدوار بوحيّ من الروح القدس.

 من هنا، تصبح السلطة امتحانًا للضمير وعيشًا لكل آية في الإنجيل المقدس، وحياة القديسين، قبل أن تكون ممارسةً للقرار، ودعوةً إلى الخدمة قبل أن تكون علامة تفوّق، ومسارًا للمساءلة والشهادة المسيحية قبل أن تكون عنوانًا للمجد وشهادة للنفس .

وكذلك كما ورد في أعمال الرسل "فحسبي أن أتمّ شوطي، وأتمّ الخدمة التي تلقّيتها من الربّ يسوع، أي أن أشهد لبشارة نعمة الله" الذي لا يطلب منا التسلّط أو التعنّت في تعاطينا مع إخوتنا، إنما وكما ذكر أيضًا الإنجيلي مرقس: "من أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا..." 

من هنا وانطلاقًا من هذا الفهم اللاهوتي والرعوي للسلطة، إذ لا يبقى الحديث عنها شأنًا نظريًا أو تأملاً مجردًا، بل يتحوّل إلى سؤال حيّ يلامس واقع الكنيسة اليوم، في رعاياها، ومؤسساتها، ولجانها، ومسؤوليّاتها المتنوعة. فالسلطة، حين تُعاش يوميًا، تكشف ما في القلوب بقدر ما تنظّم الأدوار، وتُظهر كيف يترجم الإيمان في القرارات، من حيث طريقة ممارسة القيادة، للقبول بالتداول والزوال.

من هنا، نسلّط الضوء في هذا المقال على وجوه خدمت وأدارت، تسلّمت وسلّمت، وكالقديس بطرس صخرة الكنيسة وقائدها حارس الأمانة الكنسية، نصغي ونتأمل بالخبرة والشهادة التي اختبرها أولئك الذين مارسوا السلطة واختبروها من الداخل، لا بوصفها موقعًا ثابتًا، بل كمرحلة في مسيرة خدمة. في هذا السياق وعبر محاور محددة وأسئلة صريحة، نقترب من شهادات حيّة تضيء معنى المسؤولية، وتكشف التحديات، وتفتح أفقًا رعويًا يعيد للسلطة وجهها الإنجيلي والخدماتيّ.

في إطار معالجته لهذا الموضوع، أجرى موقع صوت المحبة لقاءً وحوارًا خاصًا مع الأب ميشال عبود الكرملي، رئيس رابطة كاريتاس السابق والذي تولّى هذا المنصب لست سنوات خلت.

فما هو شعوره بعد تولّيه مسؤولية كنسيّة بهذا الحجم، واليوم ها هو يسلّم المنصب والمسؤولية لشخص آخر؟ أسئلة عدة وحوار شيّق يحمل معاني الإنسانية وحضور المسيح الدائم الذي تجلّى بأعماله وقراراته التي ما  كانت إلا للخدمة والبشارة، إليكم فيما يلي الحوار الذي أجريناه معه:

يبدأ الأب عبود حديثه قائلًا: "أشعر بالشكر والامتنان، الامتنان لله أولًا، وللكنيسة التي وثقت، ولكل إنسان شاركني هذه المسيرة الصعبة والجميلة في آن. لم أتعاطَ مع هذه المسؤولية يومًا كمنصب، بل كأمانة ثقيلة ومقدّسة، لأننا نتعامل مع الإنسان، مع الفقير، ومع الألم. لقد كانت محطة طريق في دربي لعيش دعوتي في القداسة.

واليوم، عند التسليم، أشعر بسلام داخلي. سلام من يعرف أنه لم يعمل وحده، وأن ما زُرِع ليس ملكًا لشخص بل للكنيسة. التسليم ليس نهاية، بل محطة طاعة جديدة، أضع فيها ما كان بين يديّ بين يدي الله، وأقول: “يا رب، أنت الذي بدأت، وأنت الذي تُكمِل”."

هل كانت طريقة إدارتك ستختلف لو كانت مدة المسؤولية أقصر ولم يتم التجديد لك؟

ربما كان الإيقاع سيختلف، لكن الجوهر لا. المسؤولية القصيرة غالبًا تدفع إلى البحث عن نتائج سريعة، أما المسؤولية الطويلة فتُعلّمك أن القيادة الحقيقية هي بناء مسار، لا مجرد تحقيق إنجاز.

ما سعيت إليه لم يكن إدارة لحظة، بل تثبيت رؤية، وبناء أنظمة، وترسيخ ثقافة مؤسساتية لا تقوم على شخص بل على قيم. في العمل الكنسي، الأهم ليس ما نُنجزه بسرعة، بل ما يبقى صالحًا بعدنا. لذلك، مهما كانت المدة، المعيار واحد: أمانة الرسالة وخدمة الإنسان بكرامة.

تجدر الاشارة ان الولاية في ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وهذا ما حصل معي، حيث كان التجديد بالتزكية ولأول ومرة في تاريخ كاريتاس.

هل من الطبيعي التعلّق بالكرسي والسلطة في المجال الكنسي؟

إنسانيًا، نعم، الإنسان قد يُجرَّب بالتعلّق، لأن السلطة تمنح شعورًا بالأمان والتأثير. لكن إنجيليًا، السلطة في الكنيسة ليست امتلاكًا بل خدمة، وليست امتيازًا بل مسؤولية.

الخطر ليس في السلطة بحد ذاتها، بل في أن نخلط بينها وبين ذواتنا. في الكنيسة، نحن لا نملك الكرسي، بل نمرّ به. علامة النضج الروحي هي أن أقبل الخدمة عندما تُطلب مني، وأن أتركها عندما يحين وقتها، بسلام وحرية، دون خوف أو تشبّث.

ما هو شعورك الشخصي عند تسليم المسؤولية؟

هو شعور فرح وسلام. الفرح لأن الاستمرارية قائمة، ولأن المؤسسة لا تتوقف على شخص، مع الحنين لأنك تترك أشخاصًا ووجوهًا وقصصًا عشت معها يوميًا.

لكن الأهم هو السلام، سلام من يؤمن أن الخدمة لا تنتهي بتغيير الموقع، وأن الله يقود الكنيسة عبر أشخاص متعاقبين. التسليم يعلّمنا التواضع، ويذكّرنا أننا خدّام في حقل، لا أصحاب الحقل.

ماذا تطلب منك الكنيسة اليوم؟ وما هي مسؤولياتك ومشاريعك المستقبلية؟

أنا ابن الرهبانية الكرملية، أعود الى حياتي الرهبانية اليومية. كل هذه المرحلة لم اترك رهبانيتي كانت اقامتي في دير سيدة الكرمل في الحازمية. 

أما على مستوى الرهبانية والخدمة، فأشعر أن الدعوة تتجه أكثر للمرافقة الروحية، وتعميق روحانية الخدمة، خصوصًا لمن يعملون في الحقل الاجتماعي كي لا يخسروا ذواتهم وهم يخدمون الآخرين.

ان تركت كاريتاس، ابقى في خدمة كل الفقراء.

المشاريع المستقبلية ليست مناصب، بل اتجاه: بناء الإنسان، وتثبيت ثقافة الرحمة، والالتزام بأن يبقى العمل الاجتماعي في الكنيسة طريق قداسة لا مجرد وظيفة.

كيف تلخّص ولايتكم بكلمة واحدة؟

أمانة للرسالة، وللكنيسة، وللفقير.

ما أهم إنجاز تحقق خلال ولايتكم؟

أهم إنجاز هو تثبيت هوية المؤسسة في أصعب الظروف: أن تبقى كنسيّة، إنسانيّة، ومهنيّة في آنٍ معًا. حافظنا على استمرارية الخدمة، وطوّرنا البُنى والحوكمة، والأهم أننا لم نغلق الأبواب بوجه الفقير رغم كل الأزمات.

ماذا تقولون لخلفكم؟

خُذ وقتك، واثقًا أن المؤسسة ليست عبئًا بل رسالة. أحبّ الفريق، واصغِ للناس، ولا تخف من القرارات الصعبة ما دامت منطلقة من الضمير وخدمة الإنسان. والأهم: ضع الفقير في قلب كل قرار.

كيف ترون مستقبل المؤسسة بعدكم؟

أراه مستقبلًا واعدًا إذا بقيت أمينة لهويتها ورسالتها. التحديات كبيرة، لكن الأسس متينة. الاستمرارية، والتجدد، والانفتاح المسؤول كفيلة بأن تجعل المؤسسة أكثر حضورًا وتأثيرًا في خدمة الإنسان


وفي حوار آخر أجريناه مع قدس الأب مارون مبارك الرئيس العام السابق لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة، حيث تطرّقنا أيضًا لموضوع السلطة والخدمة في الكنيسة، نظرًا لموقعه في إدارة جمعية رهبانية عريقة، جمعية شاهدة على الإيمان الماروني المتجذّر في الكنيسة الجامعة، والتي تضم  حوالي 100 مرسلًا، يتوزّعون بين لبنان وبلدان جنوب أفريقيا، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة، كندا، البرازيل، الأرجنتين، أستراليا وغيرها، ليجسدوا صورة الكنيسة المارونية المنفتحة على العالم، الحريصة على صون الإيمان ونشره بروح المحبة والقداسة.

ترأس الأب مبارك الجمعية طيلة ست سنوات، حيث علّم، أدار ودبّر شؤونها، وقد عبّر لنا عن إرتياحه عندما سلّم الامانة بسلام تلك الامانة التي حفظها طيلة هذه المدة.

أسئلة كثيرة، وحوار مليء بالذكريات والأحاسيس شاركنا به الأب مبارك، نتشاركها بدورنا معكم وهذه أبرزها: 

ما هو شعورك عند توليك  مسؤولية جمعية رهبانية كاملة وكنسية بهذا الحجم وما كان شعورك عند تسليم الامانة؟

لقد درّبت نفسي على مبدأ أن المسؤولية في مجال العمل الكنسيّ والرهبانيّ بشكل خاص هي دعوة الى الخدمة، وعندما تسلمت المسؤولية في الجمعية قلت لإخوتي الكهنة: "أنا الأول أمامكم في الخدمة".

في البداية أحسست بشعور الإستعداد مع رهبة ما ينتظرني وفي النهاية شعور الراحة والشكر لأن الأمور عبرت بسلام وبأقل ضرر ممكن.

هل كان ليكون هناك تغيير بطريقة إدارتك للمؤسسة لو كانت مدة المسؤولية أقصر ؟

لقد إنطلقت في طريقة إدارتي كما أفعل دائمًا هي الإنطلاق من الواقع لإدخال فيما بعد من تغيير خططت له هذا ما جعل الأمور تأخذ مجراها بهدوء وفعالية أكثر.

طبعًا الوقت له دوره لأنه يسمح لان تتضح الأمور أكثر وأفهمها أكثر للتفاعل معها، ولو كانت المده أقصر لكنت سرّعت العمل مع المجازفه الأكبر.

هل من الطبيعي التعلّق بالكرسي والسلطة في المجال الكنسي، أو العكس؟

عندما يسعى الإنسان الى المراكز يصبح من الطبيعي التعلّق بالكرسي وهذا يؤلم لأن الأمر هو مؤقت فلا أحد سرمدي. ولكن عندما يعلم الإنسان أنه مدعو الى الخدمة وهذا في المجال الكنسي أمر واقعي طبيعي وحقيقي فلا يعود التعلق بالكراسي أساسيًا، إنما الأساسي هو الجهد لانجاح المهمة وذلك عن طريق إيصال الأمور الى خواتمها السليمة وعندما تنتهي الأمور الى المخارج السليمة يحقق الإنسان الملء فلا يعود يسعى سوى الى الشكر والإمتنان وتصبح الكراسي وسيلة وليس هدفًا.

ما هو شعورك عند تسليم المسؤولية؟

رسالة الكنيسة تقوم على الجهوزية الدائمة للعمل والعطاء في خدمة النفوس ومجد الله، وهذا ما يتجسّد في النذر الرهباني والتزام الجمعية. فالمشروع الوحيد لدي هو تلبية نداءات المحبة في الخدمة الرسولية والاجتماعية، ومواصلة الرسالة ككاهن مرسل لبناني وفق ما تحدده الجمعية في الكنيسة والمجتمع.

ما تطلب الكنيسة منك الآن، وما هي مشاريعك ومسؤولياتك المستقبلية في الخدمة؟ وفي الرهبانية؟ والمجال الإجتماعي؟

أنا اليوم أخدم في إدارة دير الرسل الى جانب العمل في مدرسة الرسل مع مديرها وبالطبع مواصلة رسالة الوعظ والتعليم في المجالات الرسولية: "الرهبانيات على أنواعها، الرعايا، والمنظمات الرسولية، وهذا ضمن هدف الجمعية الرسولي الأول الكرازو بالإنجيل". 

كيف تلخّص ولايتكم بكلمة واحدة؟

كلمه واحدة تلخص السنوات الست في الخدمة هي: الصمود. 

ما أهم إنجاز تحقق؟

أهم إنجاز حققته خلال إدارتي للجمعية هو مواصلة الإجتهاد والتضحية للحفاظ على الجمعية ورسالتها وحمايتها من السقوط، في ظروف صعبة عالية المستوى على الصعيد المادي والإقتصادي والسياسي ووباء الكورونا وكل ما نتج عنها كلها من تحديات صحية وصعوبات كبيرة.

ما أكبر تحدٍّ واجهكم؟

كانت التحديات عديدة وكبيرة في زمن صعب تكاثرت فيه المشاكل والصعوبات على كل الأصعدة والتحدي الأهم كان المضي الى الأمام بإمكانيات ضئيلة جدًا.

هل هناك قرار تندمون عليه؟

لا أندم على أي قرار اتّخذته لأن كل القرارات كانت تُدرس مع المرافقين بوضوح وتجرد وبحسب ظروفه وإطاره، لما يسمح باتّخاذ القرار الأنسب في حينه لانقاذ السفينة.

ما الدرس الأهم الذي تعلّمتموه؟

تعلمت دروسًا كثيرة في قبول الواقع المؤلم وفي مواجهة التحديات وفي التنازل للوصول الى الحلول المناسبة والناجحة والدرس الأهم هو الإقدام في القيادة بالإتكال على نعمه الله.

ماذا تقولون لخلفكم؟

أقول للرئيس العام الجديد المثابرة هي سرّ الثبات والثبات هو سرّ النجاح، فمن كان وفيًا لا تعطله صعوبة.

كيف ترون مستقبل المؤسسة بعدكم؟

كما قلت سابقًا إن الخطوة التالية في حياتي بعد المسؤولية هي مواصلة المسؤولية في متطلبات حياتي الرسولية المكرسة حتى أحقق أهداف الجمعية وما التزمته في نذوري الرهبانية وتكرّسي الكهنوتي.

بإختصار أقول المسؤولية هي دور نلعبه على ساحة حياتنا في الجمعية من مقوماتها القوية هي أنها أعطيت لنا، بثقة وايمان نقبلها بمحبة وتواضع، حتى نسلّمها بفرح وسلام لأننا نلعب فيها دورنا حتى ينجح ما اراده الله في حياتنا وفي حياه الجمعية والكنيسة، فيكون الشخص منا خليّة حيّة في جسم حي تعيش عندما تقوم بدورها وتعيش أكثر عندما تعطي الدور لغيرها عندما يحين الوقت حتى يبقى الجسم حيًا.

في ختام تقريرنا هذا، لا يسعنا إلا أن نقدّم عملنا وخدمتنا في شتّى المراكز للخادم الأكبر يسوع، هو الذي جاء ليخدم لا ليُخدَم، ولنقول أن السلطة في الكنيسة تبقى مسؤولية تُعاش بروح الخدمة لا بروح التسلّط، عهدًا لا يُمتلك بل يُسلَّم، وديعة لا تُستثمر بل تُقدَّم. وما بين تسلّم الأمانة وتسليمها، يسطع وجه المسيح الذي وحده يبقى، فيما الكراسي تزول والسلطة تضمحل والأسماء تتعاقب. وهكذا، "لو دامت لغيرك... ما وصلت إليك"، قول جاء ليذكّر كل مسؤول وكل صاحب سلطة أن المجد الحقيقي ليس في الكرسي، بل في الأمانة، والتواضع، وخدمة الإنسان بوجه المسيح الله.


لينا هاشم عرب

 تلفزيون وإذاعة صوت المحبة


عودة إلى المقالات