كتّاب المحبّة
الموارنة، من عظام إلى عظام
في قراءة متنقّلة عبر صفحات التاريخ الماروني تشدّك محطات من الثمار الوافرة التي انتجها قوم أرادوا الحياة.
في الدين والدنيا كافحوا، في العقل والقلب جاهدوا، في الزهد والتقشّف عاشوا، في السياسة والقداسة اثمروا. فكان منهم القديسون فوق المذابح، والأحبار والبطاركة والقادة العظام. فبات الكيان محصّن بالنخب الروحية والفكريّة والسياسيّة. فأضحى الموارنة من العظام الذين فتتوا الصخر بمعاولهم، وساسوا البيعة بإيمانهم، وصدّوا الغزاة بثباتهم. الموارنة عظام لأنّهم حوّلوا الجغرافيا التي قطنوها إلى تاريخ مخضّب بالعمل والجهاد الحسن.
عظام هم الموارنة ارتفع معهم بنيان الوطن إلى فوق، فكانت "المارونية السياسية" إنتاج حضاريّ بامتياز رغم الأخطاء في المقاربات ولكنّها أضحت إضافات وتراكمات إيجابية نقلت الوطن من الولادة فالمراهقة وصولًا إلى البلوغ.
عظام هؤلاء الموارنة لأنّهم زهدوا وصلّوا، آثروا المصلحة العامة على المصالح الخاصة، فكان منطق الدولة وهيبة المؤسسات. اخفقوا حينًا ونجحوا أحيانًا... اتقنوا اللعبة طورًا واهملوا حسن الرؤية والقراءة أطوارًا... وفي كل ذلك أثبتوا أنّهم عظام.
وشتّان بين الأمس واليوم...
موارنة أضاعوا الطريق وضلّوا الهدف، زعماؤهم يتلهون بلعبة الكراسي والسلطة، يجيدون عزل بعضهم، ينظرون إلى القشّة في عين الآخر ولا يدركون حجم الخشبة في أعينهم.
موارنة اليوم أغراب ينتظرون على رصيف الوطن، يبحثون عن وطن أضاعوه بكبريائهم وسوء رؤيتهم... موارنة يفلتون المحراث من يدهم وينظرون إلى الوراء... حوّلوا مؤسساتهم الروحيّة والمدنيّة إلى أمكنة يأس وضجر واستسلام... خراف مشتتة لا راعي لها... شعب أنهكه الحقد والخلاف والتشرذم... شعب أضناه الإنفصام واللامبالاة... أضحى موارنة اليوم كما يقول النبيّ حزقيال "عظام يابسة". دخلوا إلى موت سريريّ وغيبوبة قاتلة. فانتقلوا من عظام إلى عظام...
عذرًا ايها القديس العظيم مارون... عذرًا على ما أقترفنا من خطايا وهفوات... أعد إلى عظامنا اليابسة الروح والحياة... أعدنا إلى فردوسنا المسلوب... أعد لنا عظامًا في بلدنا... والسلام.
الخوري طوني بو عساف
دكتور في العلوم التربوية
من الأبرشية البطريركية - نيابة جونيه