كتّاب المحبّة

قراءة رعويّة لرسالة البابا لاوُن لمناسبة صوم 2026 - "الإصغاء والصّوم، الزّمن الأربعينيّ زمن التوبة"

قراءة رعويّة لرسالة البابا لاوُن لمناسبة صوم 2026 - "الإصغاء والصّوم، الزّمن الأربعينيّ زمن التوبة"

إليكم قراءة رعويّة لرسالة البابا لاوُن الرابع عشر بعنوان:«الإصغاء والصّوم – الزّمن الأربعينيّ زمن التوبة» لمناسبة زمن الصوم الأربعيني 2026 :

1. الزمن الأربعيني: عودة إلى الجوهر

يذكّرنا قداسة البابا في مستهلّ رسالته بأنّ الزمن الأربعيني هو زمن نعمة خاصّة، تدعونا فيه الكنيسة، بعنايتها الوالديّة، إلى أن نُعيد وضع الله في مركز حياتنا. فالإيمان قد يفقد اندفاعه حين يتشتّت القلب بين هموم الحياة ومشاغلها، أمّا الصوم فيعيدنا إلى الجوهر، إلى ما هو أساسيّ ولا غنى عنه.

إنّ كل مسيرة توبة حقيقيّة تبدأ عندما نفتح ذواتنا لكلمة الله، لا كصوت خارجي، بل ككلمة حيّة قادرة أن تغيّر القلب وتوجّه الحياة. هكذا يصبح الزمن الأربعيني مسيرة اتّباع متجدّد للمسيح، وسيرًا معه نحو أورشليم، حيث سرّ الصليب والقيامة.

2. الإصغاء: بداية العلاقة وباب التوبة

يضع البابا في قلب هذه الرسالة دعوة أساسيّة: الإصغاء.

فالإصغاء ليس مجرّد سماع، بل هو موقف روحي يدلّ على رغبة صادقة في الدخول في علاقة مع الله ومع الآخر.

الله نفسه، كما يعلن الكتاب المقدّس، هو إله الإصغاء: «سمعت صراخ شعبي».

الإصغاء إلى صرخة المظلومين هو بداية تاريخ التحرير، وهو الطريق الذي يُشرك فيه الله الإنسان في عمله الخلاصي.

ويذكّرنا الأب الأقدس بأنّ إصغاءنا إلى كلمة الله في الليتورجيا يدرّبنا على إصغاء أعمق إلى الواقع، لكي نميّز، وسط ضجيج الأصوات، صوت الألم والظلم، فلا يبقى بلا جواب. فالفقراء ليسوا مجرّد فئة اجتماعيّة، بل صرخة حيّة تسائل ضمير الكنيسة والعالم.

3. الصوم: تربية الرغبة وانفتاح القلب

إذا كان الزمن الأربعيني زمن إصغاء، فإنّ الصوم هو الممارسة التي تهيّئنا لهذا الإصغاء. فالامتناع عن الطعام ليس هدفًا بحدّ ذاته، بل وسيلة روحيّة تشرك الجسد في مسيرة التوبة، وتكشف لنا ما نحن “جائعون” إليه حقًّا.

الصوم يساعدنا على تنظيم رغباتنا، وعلى إبقاء الجوع والعطش إلى البرّ متّقدين في داخلنا، لكي لا نستسلم للفتور، بل نحوّل رغباتنا إلى صلاة ومسؤوليّة تجاه القريب.

ويستشهد البابا بتعليم القديس أغسطينس، الذي يذكّرنا بأنّ الجوع إلى البرّ هو علامة الحياة الحاضرة، أمّا الشبع الكامل فهو وعد الحياة الآتية. هذا الجوع لا يُنقص الإنسان، بل يوسّع قلبه ويزيد قدرته على الله وعلى الخير.

4. صوم متواضع ومتجذّر في كلمة الله

يحذّر قداسة البابا من خطر أن يتحوّل الصوم إلى ممارسة شكليّة أو مناسبة للكبرياء الروحي. فالصوم الحقيقي يجب أن يُعاش في الإيمان والتواضع، ومتجذّرًا في الشركة مع الربّ.

ومن هنا، يدعونا إلى توسيع معنى الصوم ليشمل أسلوب حياة أكثر بساطة وتقشّفًا، لأنّ التقشّف لا يفقِر الإنسان، بل يحرّره، ويجعل شهادته المسيحيّة صادقة وقويّة.

5. صوم اللسان: من الكلمات الجارحة إلى لغة الرجاء

يوجّه البابا دعوة عمليّة واضحة: الصوم عن الكلام الذي يجرح.

إنّه صوم كثيرًا ما نغفل عنه، لكنّه أساسيّ في مسيرة التوبة.

يدعونا الأب الأقدس إلى نزع السلاح من لغتنا:

أن نبتعد عن الحكم السريع، والكلام القاسي، والتشهير، والافتراء،

وأن نتعلّم بدل ذلك تنظيم كلماتنا وتنمية اللطف، في العائلة، وفي المجتمع، وفي الإعلام، وفي وسائل التواصل، وفي الجماعات الكنسيّة.

حينئذٍ، يفسح كلام الكراهية المجال لكلام الرجاء والسلام.

6. معًا: التوبة كمسيرة جماعيّة

يُبرز قداسة البابا البعد الجماعي للزمن الأربعيني. فالتوبة ليست مسيرة فرديّة فقط، بل طريق تسير فيه الجماعة معًا: الرعايا، العائلات، الجماعات الكنسيّة والرهبانيّة.

الإصغاء إلى كلمة الله، وإلى صرخة الفقراء والأرض، يصبح أسلوب حياة مشتركة، ويعضد الصوم توبة حقيقيّة تشمل العلاقات، ونوعيّة الحوار، والقدرة على أن نسمح للواقع بأن يسائلنا.

7. خاتمة ودعوة

في ختام هذه القراءة، يدعونا قداسة البابا إلى الصلاة من أجل زمن أربعيني:

يجعل آذاننا أكثر إصغاءً لله وللآخرين،

وصومًا يشمل اللسان، فتقلّ الكلمات الجارحة،

وجماعات كنسيّة تكون أماكن ترحيب، حيث تُسمَع صرخة المتألّمين، ويولد الإصغاء مسارات تحرير.

هكذا نصبح أكثر استعدادًا للمساهمة في بناء حضارة المحبّة.


عودة إلى المقالات