كتّاب المحبّة

الإعلامي المؤمن وحبّة الحنطة: بين صخب العالم وحضارة المحبة

الإعلامي المؤمن وحبّة الحنطة: بين صخب العالم وحضارة المحبة

في عالمٍ تمتلئ شاشاته بصور الحرب والدمار والموت، يجد الإعلامي المؤمن نفسه أمام اختبارٍ روحي عميق. فكل يوم يواجه أخبار العنف والظلم والكراهية، ويرى حجم الألم الذي يعيشه البشر. وفي خضم هذا الواقع القاسي، يبرز السؤال: كيف يمكن للمؤمن، وخصوصًا الكاثوليكي، أن يحمل رسالة الإعلام من دون أن يفقد روحه المسيحية؟

‎الإنجيل يضع أمامنا قاعدة واضحة حين قال يسوع: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». ليست هذه العبارة دعوة إلى الانسحاب من العالم، بل دعوة إلى التمييز. فالعالم السياسي له حساباته وصراعاته، أما قلب المؤمن فله مرجعية أخرى هي الله والضمير والإنجيل.

‎الإعلامي المسيحي يعيش في قلب هذا الواقع، ينقل الحقيقة كما هي، ويرى الشر حين يظهر، لكنه مدعو في الوقت نفسه إلى ألا يسمح لهذا العالم بأن يسلبه روحه. فالخطر الأكبر ليس فقط في الشر الذي نراه حولنا، بل في أن يتسلل هذا الشر إلى القلب ويحوّل الإنسان إلى نسخة أخرى من القسوة التي يندد بها.

‎من هنا تأتي أهمية الروح المسيحية في العمل الإعلامي. فالإعلامي المؤمن قد يكتب عن الحروب، لكنه لا يكتب بروح الحرب. وقد يصف الظلم، لكنه لا يسمح للظلم أن يسكن قلبه. فالإنجيل لا يطلب من المؤمن أن يكون ساذجًا أمام الشر، بل أن يبقى إنسانًا حتى وهو يصف قساوة العالم.

‎لقد جاء يسوع ليعلّم البشرية ما يمكن أن نسميه حضارة المحبة والرحمة. حضارة لا تقوم على الغلبة ولا على الانتقام، بل على كرامة الإنسان وعلى الرحمة التي تعيد للإنسان إنسانيته. في هذه الحضارة، لا يُقاس الإنسان بقوته بل بقدرته على المحبة، ولا تُبنى المجتمعات بالقوة وحدها بل بالرحمة التي تحفظ كرامة الإنسان.

‎لكن هذه الحضارة لا تبدأ في القوانين ولا في الخطابات الكبرى، بل تبدأ في القلب. فكل إنسان يختار يوميًا بين طريقين: طريق الكراهية الذي يزيد العالم ظلمة، أو طريق الرحمة الذي يفتح فيه نافذة للنور.

‎وهنا يقدم الإنجيل صورة روحية عميقة لفهم رسالة المؤمن في هذا العالم. يقول يسوع: «إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها؛ ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير».

‎حبّة الحنطة تبدو كأنها تضيع حين تدخل في ظلمة الأرض. تنكسر قشرتها وتختفي عن العين، وكأنها تموت. لكن في هذا "الموت" بالذات تبدأ الحياة الجديدة. من هذا الاختفاء يولد السنبل، ومن هذا الانكسار يخرج الثمر.

‎هكذا هو المؤمن في عالم مليء بالاضطراب. فهو يرى الألم والظلم، وقد يشعر أحيانًا بثقل الواقع وقساوته. لكنه مدعو إلى ألا يسمح لليأس أن ينتصر في قلبه. فالإيمان يعلمنا أن الحياة يمكن أن تولد من قلب الظلمة، وأن الرجاء قد ينبت في الأماكن التي تبدو للإنسان وكأنها نهاية.

‎الإعلامي المؤمن يعيش هذه التجربة يوميًا. كثرة صور الموت قد تجعل الإنسان يعتاد المأساة، وكثرة الأخبار القاسية قد تجرّد القلب من حساسيته. لكن الرسالة المسيحية تدعوه إلى أن يبقى قلبه حيًا، وأن لا تتحول المأساة إلى مجرد خبر عابر.

‎لذلك فإن مهمة الإعلامي المؤمن ليست فقط نقل الوقائع، بل الحفاظ على إنسانية الكلمة. أن يسمي الشر باسمه، وأن يكشف الظلم، لكن من دون أن يتحول إلى صوت للكراهية أو التحريض. فالفرق بين إعلامٍ يدمّر وإعلامٍ يبني يكمن في الروح التي تقف خلف الكلمة.

‎حين يعطي المؤمن ما لقيصر لقيصر، يحترم الواقع وقوانينه ومسؤولياته المهنية. أما حين يعطي ما لله لله، فإنه يحفظ قلبه لله، ويحافظ على ضميره حرًا من الانجرار وراء لغة الكراهية والانقسام.

‎وفي زمنٍ يعتاد فيه الناس على رؤية المآسي حتى تصبح مجرد أرقام، يبقى التحدي الأكبر أن لا يفقد الإنسان حساسيته تجاه الألم البشري. فكل ضحية لها اسم، وكل مأساة تحمل قصة، وكل دمعة هي عالم كامل من المعاناة.

‎لذلك قد تكون أعظم شهادة يقدمها الإعلامي المسيحي اليوم هي أن يبقى إنسانًا. إنسانًا يرى الشر لكنه لا يسمح له أن يغيّر قلبه، ويعيش في عالمٍ مليء بالصراعات لكنه يظل شاهدًا لحضارة المحبة التي جاء يسوع ليزرعها في العالم.

‎وهكذا يصبح المؤمن مثل حبّة الحنطة: قد يعيش في ظلمة الأرض، وقد يمرّ بتجارب صعبة، لكنه يحمل في داخله وعد الحياة. ومن قلب هذه التجارب نفسها يمكن أن يولد الثمر، ثمر الحقيقة، وثمر الرحمة، وثمر الرجاء الذي يحتاجه العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى.

‎وفي النهاية يبقى السؤال الذي يطرحه الإيمان على كل واحد منا:

‎وسط هذا العالم المليء بالصراعات والضجيج، هل نسمح للشر أن يغيّر قلوبنا، أم نبقى مثل حبّة الحنطة التي، حتى في ظلمة الأرض، تختار أن تحمل في داخلها وعد الحياة؟


الاعلامي روي أبو زيد


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم