كتّاب المحبّة
جنوب لبنان…"حيث ولد الإيمان من زبد البحر وتكلّم من الهامش"
ندبّج هذا المقال التاريخي–الروحي، لنحلّق معًا في بدايات المسيحية الأولى في جنوب لبنان، ولنؤدّي تحيّة إجلال ومحبة للمسيحيين الحاضرين اليوم في هذه الأرض، الذين لا يزالون يحملون الشعلة ذاتها وسط العواصف، يحرسون الإيمان كما يُحرس النور في زمن الريح.
إن ما سطّره اليراع ليس مجرّد سردٍ للأحداث، بل هو نَفَسان متكاملان: نفس تاريخيّ بامتياز، يستعيد نشأة الكنيسة في صور وصيدا منذ العهد الرسولي، ونفس تأويل لاهوتي–أدبي لمشهد إنجيلي عظيم، مشهد جدّتنا الكنعانيّة، التي علّمتنا كيف يخرج الإيمان من تخومه ويكتشف ذاته من جديد.
إنه مقالٌ عن البدايات… لكنّه أيضًا عن الامتداد. عن البحر الذي حمل الكلمة أولاً، وعن الإنسان الذي لا يزال ينتظرها اليوم، بين الألم والرجاء، بين الصمت والصلاة.
١- صور وصيدا… حين صار البحر إنجيلاً
ما إن ارتفعت كلمة الحياة على شفتي يسوع المسيح في جليل الأمم، حتى تردّد صداها كأنشودةٍ بحريةٍ قديمة على شواطئ صور وصيدا. لم تكن تلك المدن الفينيقيّة مجرّد مرافئ للتجارة، بل تحوّلت إلى مرافئ للرجاء، وإلى منصّاتٍ غير منظورة لانتشار البشارة. صار البحر يحمل جموعًا لا تطلب ملحًا ولا أرجوانًا، بل كلمةً تشفي ووجهًا يخلّص، كلمةً تلامس الجسد والروح معًا.
لم يكن الحدث عابرًا، بل كان بداية تحوّل هادئ في مجرى التاريخ، تحوّل لا تُسمع له ضوضاء، لكن تُرى آثاره في عمق الزمن. فالمسيح الذي حوّل الماء خمرًا في قانا، لم يصنع معجزة محليّة، بل زرع خميرةً ستبلغ سواحل فينيقيا، حيث تلتقي الحضارات كما تتلاقى الأمواج، وحيث يختبر الإنسان معنى الانفتاح والعبور.
وقد زار يسوع بنفسه تلك النواحي، فدخل طرقها وسار في أزقّتها، كمن يكتب بقدميه إنجيلاً جديدًا على أرضٍ لم تكن تنتظره. وهناك، التقى بالمرأة الكنعانيّة، في واحدة من أكثر اللحظات إنسانيّة وعمقًا في الإنجيل. صرخت، فتجاوب. ولم يكن شفاء ابنتها مجرّد معجزة، بل إعلانًا أن الخلاص لا يعرف حدودًا، وأن قلب الله أوسع من كل التصنيفات البشرية.
وعلى مقربة من صيدا، لا تزال مغارة سيّدة المنطرة شاهدةً على انتظار العذراء مريم. "المنطرة" — أي الانتظار — ليست اسمًا فحسب، بل لاهوتٌ حيّ متجسّد في الحجر: انتظار الأم، انتظار الكنيسة، انتظار البشرية كلّها. والمكان الذي كان يومًا معبدًا لعشتروت، صار حضنًا للرجاء المسيحي، في تحوّلٍ يختصر تاريخ الخلاص كلّه: من الوثني إلى المقدّس، من الغموض إلى النور.
ثم جاءت لحظة الاضطهاد، فاستشهاد القديس اسطفانوس لم يكن نهاية، بل انطلاقة انتشار. انتقل الرسل إلى فينيقية، حاملين الكلمة كجمرٍ حي، فدخلت المسيحية إلى جنوب لبنان في زمن الرسل، لا كضيفٍ عابر، بل كزرعٍ عميق وجد تربته، ونما بصمتٍ وثبات.
كانت صور أولى المدن التي احتضنت جالية مسيحية حيّة. وعندما مرّ بها بولس الرسول، وجد كنيسة نابضة بالحياة، جماعةً من رجال ونساء وأولاد، لا يجمعهم فقط الإيمان، بل المحبة أيضًا. مكث بينهم سبعة أيام، وكأنّه يستريح في بيتٍ يعرفه منذ الأزل، في حضن جماعةٍ تشبه العائلة أكثر مما تشبه التنظيم.
وفي صيدا أيضًا وجد إخوة يعتنون به، كأن الإيمان صار خبزًا يوميًا يُكسر ويُعاش، لا فكرةً تُقال فقط. وهكذا، لم تعد هذه المدن مراكز تجارة فحسب، بل صارت مراكز عناية إنسانية وروحية، مرافئ للإنسان في ضعفه واحتياجه.
ومع نهاية القرن الثاني، غدت كنيسة صور من أعمدة المسيحية في الشرق، مركزًا إشعاعيًا يجمع بين الفكر والإيمان. وفيها دُفن أوريجانوس، أحد كبار آباء الكنيسة، وكأن الفكر اللاهوتي وجد له موطنًا على شاطئ البحر.
غير أنّ المجد لم يخلُ من الصليب، إذ هُدمت الكنيسة في اضطهاد ديوكليتيانوس، كما تُهدم الأحلام تحت وقع السيف. غير أنّها أُعيد بناؤها في عهد قسطنطين الكبير، لتقوم أعظم مما كانت، شاهدةً أن ما يُبنى على الإيمان لا يسقط.
وفي سنة 335، احتضنت صور مجمعًا كنسيًا مهمًا، يعكس صراعات الإيمان الأولى، تلك الصراعات التي لم تكن ضعفًا، بل مخاضًا ضروريًا لصياغة هوية الكنيسة.
هكذا، لم تكن صور وصيدا مدينتين فحسب، بل صارتا إنجيلاً حيًا، كُتب على شاطئ البحر، وقرأه التاريخ، ولا يزال الإنسان يقرأه حتى اليوم.
٢- فتاتٌ يصنع كنيسة… لاهوت الكنعانيّة الذي غيّر مسار التاريخ
لم تبدأ المسيحية في فينيقيا من مركزٍ، بل من هامش. ولم تولد من نظامٍ، بل من صرخة. هناك، على تخوم صور وصيدا، انفتح التاريخ على مفارقة مذهلة: أن الخلاص قد يبدأ من حيث لا يُنتظر، وأن النعمة قد تجد طريقها عبر الشقوق الصغيرة في جدار العالم.
خرجت المرأة الكنعانيّة من تخومها. ولم يكن خروجها جغرافيًا فقط، بل وجوديًا عميقًا. لقد خلعت هويتها القديمة، ووقفت أمام الله عاريةً من كل يقين، مسلّحةً فقط بصرختها، تلك الصرخة التي تختصر كل اللاهوت حين يبلغ أقصاه.
لكن المسيح صمت. وهنا يبدأ العمق. فالصمت الإلهي ليس غيابًا، بل امتحان للحضور. هو المساحة التي يُكشف فيها قلب الإنسان، حيث يتعرّى الإيمان من كل زينة. ثم جاءت الكلمة القاسية: "لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين ويُلقى إلى صغار الكلاب".
لكن المرأة لم ترتدّ، لم تنكسر، بل حوّلت الإهانة إلى سلّمٍ نحو الله. قالت: "حتى الكلاب تأكل من الفتات". بهذه الجملة، لم تدافع عن نفسها، بل أعادت تعريف العلاقة مع الله. لم تطلب امتيازًا، بل قبلت التواضع… فتحوّل تواضعها إلى قوّة. لقد دخلت من باب الانكسار، فخرجت بكرامة الإيمان.
هنا يولد "لاهوت الفتات": ما يراه الإنسان قليلًا، يراه الله كافيًا. وما يبدو بقايا، يتحوّل في يد الله إلى بداية. طلبت فتاتًا… فنالت تاريخًا. ومن تلك اللحظة، لم يعد الهامش هامشًا، بل صار مركزًا خفيًا تدور حوله الأحداث. وصارت الكنيسة التي نشأت لاحقًا في صور وصيدا امتدادًا حيًا لتلك الصرخة الأولى، كأنها صدى مستمر لذلك اللقاء.
وفي مغارة المنطرة، يلتقي المشهد كله: مريم تنتظر… الكنعانيّة تصرخ… والرسل يأتون… والتاريخ يولد بين الانتظار والاستجابة، بين الصمت والكلمة.
ما جرى هناك لم يكن حادثة عابرة، بل تحوّلًا عميقًا في فهم الخلاص. انتصار الهامش على المركز، والإنسان البسيط على الأنظمة المغلقة. ولادة كنيسة تعرف في عمقها أن ما يولد من الألم لا يُهزم بسهولة، بل يحمل في ذاته سرّ القيامة.
ليست هذه مجرّد قصة من الماضي، بل مرآة حيّة للحاضر. فالمسيحيون اليوم في جنوب لبنان، وسط الألم والانتظار، يعيشون ذات المسار: صرخة، وصمت، ورجاء لا ينطفئ.
قد يبدو أن التاريخ يُعاد، لكن الحقيقة أنّه يُكمَّل. فالكنعانيّة لم تطلب إلا فتاتًا… ونحن اليوم مدعوون لنكتشف أن هذا الفتات نفسه قادر أن يُشبع عالمًا بأسره، وأن يحوّل الضعف إلى قوّة، والانتظار إلى لقاء.
هنا، على هذا الشاطئ، بدأ الإيمان بخطوةٍ صغيرة… وما زال، حتى اليوم، يسير… بين البحر والإنسان، بين الله والتاريخ.
الخوري ميخائيل قنبر
دراسات عليا في العلوم الدينية