كتّاب المحبّة

"من البحث إلى القيامة إلى الرسالة، في مدرسة الراعي والمحبّة، ومع مريم"

"من البحث إلى القيامة إلى الرسالة، في مدرسة الراعي والمحبّة، ومع مريم"

تضعنا كلمة الله اليوم في مسار روحي واحد ومتكامل: الله يبحث عنا، يقيمنا بنعمته، ثم يرسلنا لنخدم بالمحبّة. هذا هو الدرب الفصحي الذي تعيشه الكنيسة، وهو أيضاً درب كل نفس تريد أن تنمو في المسيح.

-أولاً: الله الراعي الذي لا يكتفي بالمراقبة بل يأتي. (حزقيال 34: 11-25)

يعلن الرب بوضوح: «هأنذا أنا أفتّش عن غنمي وأتفقدها». الله لا يبقى بعيداً، بل يقترب، يدخل إلى تاريخنا، إلى تعبنا الداخلي، إلى ضياعاتنا الصغيرة والكبيرة. إنه راعٍ يعرف خرافه ويبحث عن الضالّ منها بصبر.

لكن عمل الله ليس سحرياً أو لحظياً. إنه عمل شفاء طويل، عميق، يحترم الزمن ونضج القلب. كما يقول يوحنا الذهبي الفم:

"الله لا يخلّص بالعنف بل بالإقناع والصبر".

هذا يعني أن الرب لا يكتفي بإخراجنا من الضيق، بل يريد أن يغيّرنا من الداخل. لذلك قد يسمح بزمن، بانتظار، بمسيرة. في التقليد الماروني، الله هو “الطبيب” الذي لا يسكّن الألم فقط، بل يشفي الجرح من جذوره.

وهنا دعوة واضحة: لا نيأس من بطء مسيرتنا الروحية، بل نسلّم أنفسنا لقيادة الراعي.

-ثانياً: النعمة التي تقيم وتخلق من جديد (أفسس 2: 1-10)

يذهب بنا القديس بولس إلى العمق: كنا في حالة موت روحي، لكن الله «أحيانا مع المسيح». هذه ليست فكرة رمزية، بل حقيقة وجودية: هناك انتقال فعلي من الموت إلى الحياة.

الأساس هو النعمة، لا الاستحقاق: «بالنعمة أنتم مخلَّصون». وكما يعلّم أفرام السرياني:

"صار ابن الله إنساناً لكي يصير الإنسان شريكاً في الحياة الإلهية"

هذا هو سرّ التألّه في الروحانية الشرقية: الإنسان مدعو لا فقط ليُغفَر له، بل ليُرفَع، ليُستنار، ليشترك في حياة الله.

لكن هذه النعمة ليست ساكنة. إنها تثمر. لذلك يضيف بولس: "مخلوقون لأعمال صالحة".

أي أن الأعمال ليست سبب الخلاص، بل ثماره الطبيعية.

وهنا تصحيح مهم: لا نعيش في عقدة الذنب، بل في ديناميكية القيامة. الإنسان المسيحي ليس أسير ماضيه، بل حامل حياة جديدة.

-ثالثاً: «أتحبني؟» — المحبة أساس الرسالة (يوحنا 21: 15-19)

في هذا المشهد الحميم، لا يسأل يسوع بطرس عن كفاءته أو قوته، بل عن قلبه: "أتحبني؟".

لأن كل رسالة في الكنيسة تنبع من علاقة، لا من وظيفة.

ويعلّق أوغسطينوس:

"أحبِب، ثم افعل ما تشاء"، لأن من يحبّ حقاً، لا يمكنه إلا أن يعمل الخير.

بطرس الذي سقط، يُعاد بناؤه بالمحبّة. جرحه لا يُمحى، بل يتحوّل إلى مكان نعمة. وهكذا تصبح رسالته أكثر تواضعاً وصدقاً.

وهنا يكمن معيار الحياة المسيحية: ليس "ماذا أفعل؟" بل "هل أحب المسيح؟"

-في ضوء تعليم الباباوات.

ذكّرنا البابا فرنسيس مراراً أن

"الكنيسة ليست جمارك، بل بيت أب مفتوح".

أي أن الله يبدأ دائماً بالرحمة، لا بالحكم.

أما البابا بندكتس السادس عشر فيقول:

"أن تكون مسيحياً ليس نتيجة خيار أخلاقي، بل لقاء مع شخص".

وهذا ينسجم تماماً مع سؤال يسوع لبطرس: "أتحبني؟"

-شهر أيار: في مدرسة مريم.

نعيش هذا المسار الفصحي في حضن مريم، في شهر أيار، حيث تتعلّم الكنيسة من أمّها كيف تُصغي وتُحب وتتبَع.

في عيد سيدة لبنان، نتأمل في مريم التي تقود شعبها نحو ابنها، لا نحو ذاتها. هي صورة الكنيسة: أمّ تبحث، تجمع، وتشفع.

ومريم هي أيضاً نموذج النعمة: لم تصنع المعجزات بقوتها، بل بقبولها الكامل لعمل الله فيها. قالت “نعم”، فصار الله حاضراً في العالم.

-شهادة من أرضنا: الطوباوي اسطفان الدويهي.

في الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي، نرى هذا المسار متجسداً:

راعٍ بحث عن شعبه في ظروف صعبة، عاش النعمة بعمق، وخدم بمحبة حتى التعب.

كان رجل صلاة وعلم، لكنه قبل كل شيء كان أباً روحياً، يترجم الإيمان إلى خدمة حقيقية. حياته تذكّرنا أن القداسة ليست فكرة، بل أمانة يومية.


المسار واضح اليوم:

-الله يبحث عنك — فلا تختبئ

-الله يقيمك — فلا تيأس

-الله يرسلك — فلا تخف

ويبقى السؤال الشخصي: هل أسمح لله أن يجدني؟

هل أقبل أن يشفيني؟ هل أحبّه بما يكفي لأتبعه؟

لنصلِّ:

يا رب يسوع، أيها الراعي الصالح، أنت الذي لا تتعب من البحث عنا، أقمنا بنعمتك من كل موت داخلي، وأعطنا قلباً يحبك بصدق، لكي نخدم إخوتنا بفرح.

وبشفاعة مريم، أمّنا، سيدة لبنان، وبمثال الطوباوي اسطفان الدويهي، اجعل حياتنا شهادة حيّة لقيامتك.


الخوري جوني تنوري

من الأبرشية البطريركية المارونية - نيابة جونية


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم