كتّاب المحبّة
“مريم لم تفهم كل شيء… لكنها لم تهرب"
أيها الأحبّة،
عندما نصعد إلى هذا الجبل المقدّس، إلى حضرة أمّنا مريم، لا نصعد فقط بأقدامنا… بل نصعد أيضًا بتعبنا، بأسئلتنا، بخوفنا، وبالدموع التي نخفيها عن الناس.
كم من شخص أتى اليوم إلى هذا المزار وفي قلبه صرخة لا يسمعها أحد…
كم من أمّ تصلّي بصمت على أولادها… كم من شاب ضائع يبحث عن معنى…
كم من إنسان تعب من الحياة لكنه ما زال يحاول أن يتمسّك برجاء صغير.
وفي هذا المكان، تقف مريم بصمت. لا تصرخ… لا تستعرض قوّتها… لا تتكلّم كثيرًا…
لكن حضورها يقول لكل واحد منا: "أنا معك.”
إخوتي وأخواتي،
أحيانًا نتصوّر أن مريم كانت تعيش حياة سهلة لأنها أمّ يسوع. لكن الحقيقة أن حياة مريم كانت مليئة بالغموض والتعب والأسئلة.
هي لم تفهم كل شيء.
عندما جاءها الملاك بالبشارة، لم تفهم كيف سيتمّ هذا الأمر. وعندما ولدت يسوع في المغارة، لم تفهم لماذا يبدأ الله طريق الخلاص في الفقر والبرد والرفض. وعندما ضاع يسوع في الهيكل، لم تفهم لماذا يتركها تبحث عنه بقلق وألم. وعندما وقفت تحت الصليب، لم تفهم كيف يمكن أن ينتهي ابنها هكذا.
ومع ذلك… لم تهرب. وهنا عظمة مريم.
العالم يقول لنا اليوم: إذا لم تفهم، انسحب. إذا تألّمت، اهرب. إذا تعبت، استسلم.
أمّا مريم فتقول لنا: ابقَ مع الله… حتى عندما لا تفهم.
الإيمان ليس أن ترى الطريق كله. الإيمان هو أن تخطو الخطوة التالية بينما يد الله تمسكك في الظلمة. كم نحن بحاجة اليوم إلى هذا الإيمان.
لأننا نعيش زمن الخوف. الناس خائفة على مستقبلها… خائفة على عائلاتها… خائفة على هذا الوطن المتعب.
لبنان اليوم يشبه كثيرين منا: واقف… لكنه مجروح. يبتسم… لكنه متعب من الداخل.
ومن فوق هذا الجبل، تفتح مريم يديها على لبنان كله. ليس لأن هذا الوطن بلا ألم…
بل لأن الأم لا تترك أبناءها عندما يتألّمون.
أيها الأحبّة،
تعرفون ما يدهشني في مريم؟ أنها لم تكن امرأة الكلام الكثير… بل امرأة الحضور.
في الإنجيل، كلماتها قليلة جدًا. لكن حضورها لا يغيب أبدًا. كانت حاضرة في البشارة. حاضرة عند أليصابات. حاضرة في عرس قانا. حاضرة تحت الصليب. وحاضرة مع الرسل في العنصرة.
وهذا درس عظيم لنا. لأن عالمنا اليوم مليء بالكلام… لكنه فقير حضورًا.
هناك بيوت يعيش فيها الناس تحت سقف واحد، لكن القلوب بعيدة عن بعضها. هناك أولاد يحتاجون حضنًا أكثر من محاضرة. هناك أشخاص لا يريدون حلولًا لكل مشاكلهم… بل يريدون فقط شخصًا يبقى إلى جانبهم.
وهكذا كانت مريم. لم تستطع أن تنزع الصليب عن يسوع… لكنها بقيت واقفة قربه. وأحيانًا أعظم محبة يمكن أن نقدّمها لإنسان متألّم ليست أن نحلّ مشكلته… بل أن لا نتركه وحده فيها.
أحبائي،
أخطر لحظة في حياة مريم لم تكن البشارة… بل الصليب.
في البشارة، كل شيء كان يحمل نورًا وفرحًا ووعدًا. أما عند الصليب، فكان كل شيء يبدو وكأنه انتهى. هناك قالت نعم لله مرة جديدة… لكن وسط الظلمة. وهنا يظهر الفرق بين الإيمان الحقيقي والإيمان السطحي.
كثيرون يحبّون الله عندما يعطيهم تعزية. لكن القليلين يبقون معه عندما يصمت. مريم بقيت.
ولهذا أصبحت أمّ الكنيسة… وأمّنا جميعًا.
اليوم، ربما بعضنا يعيش “جمعة عظيمة” داخل قلبه. هناك من يحمل صليب مرض… أو خيبة… أو وحدة… أو خطيئة يتعب منها منذ سنوات… أو جرحًا لا يعرف كيف يشفى.
ومريم لا تقول لنا اليوم إن الحياة سهلة. هي لا تكذب علينا. لكنها تقول لنا شيئًا أهم: " لا تسقطوا في اليأس.” لأن الله يستطيع أن يحوّل حتى الصليب إلى قيامة.
أيها الأحبّة،
في زمن الضجيج، أصبحت مريم مدرسة الصمت. في زمن السرعة، أصبحت مدرسة الانتظار.
في زمن الخيانة، أصبحت مدرسة الوفاء.وفي زمن فقدان الرجاء، أصبحت نجمة الرجاء.
كم نحن بحاجة أن نتعلّم منها أن نحفظ السلام داخل قلوبنا. ليس السلام الذي يأتي من غياب المشاكل… بل السلام الذي يأتي من حضور الله.
قبل أن أختم، أريد أن أقول شيئًا لكل شخص متعب هنا اليوم:
ربما تشعر أن الله بعيد. ربما صلّيت كثيرًا ولم ترَ جوابًا بعد. ربما تعبت من المقاومة.
لكن تذكّروا هذا:
مريم أيضًا مرّت بليالٍ لم تفهم فيها شيئًا… ومع ذلك، كانت تثق أن الله يعمل حتى في الصمت.
الله لا ينسى أحدًا. ولا يترك أحدًا. وربما أعظم معجزة تصنعها مريم ليست أن تغيّر ظروفنا فورًا…
بل أن تمنع قلوبنا من الانهيار وسط هذه الظروف.
فلنرفع اليوم قلوبنا نحو أمّنا مريم، ولنقل لها:
يا أمّنا، علّمينا أن نبقى ثابتين عندما تهتزّ الأرض تحت أقدامنا. علّمينا أن لا نهرب من الصليب.
علّمينا أن نثق بالله حتى عندما لا نفهم طرقه.
يا سيدة لبنان، احفظي عائلاتنا… احفظي شبابنا… احفظي مرضانا ومتألّمينا… واحفظي هذا الوطن الذي نحبّه رغم كل جراحه. ومن هذا الجبل المقدّس، ليَنزل الرجاء من جديد إلى قلوبنا. آمين.
المطران مار متياس شارل مراد
النائب البطريركي لأبرشية بيروت للسريان الكاثوليك