كتّاب المحبّة

"اللّيتورجيّا": مكان العبادة بالروح والحقّ

"اللّيتورجيّا": مكان العبادة بالروح والحقّ

عندما سألت المرأة السامريّة يسوع عن مكان العبادة لله، هل هو على جبل كارزين كما يقول السامريّون، أمْ في أورشليم بحسب زعم اليهود، أجاب: " تأتي ساعة، وهي الآن، فيها تسجدون للآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم، بل بالرّوح والحقّ"(يو4: 21 و23).

الحقُّ أي الحقيقة هو يسوع نفسه، كلمة الله الذي تجسّد، ومات بالجسد على الصليب فداء عن الجنس البشري، وقام من الموت مُمجَّدًا. 

بقيامته تَكَوَّنَ هيكل جديد، هو جسده الحيّ المُمجَّد أمام عرش الآب، الذي أصبح " مكان" العبادة الحقيقيّة التي يريدها الله (يو4: 23). في هيكل جسده، الذي لم تبنه أيادي بشر، وهو مفتوح بوجه جميع الناس، يتحقّق مكان العبادة الحقيقيّة لله.

والروحُ هو الروح القدس الذي يَبني هذا الهيكل الجديد، جسد المسيح القائم من الموت الذي يجتذبنا إليه، في سرّ الإفخارستيّا، ويبدّلنا ويُوحّدنا، ويجعلنا جسده الروحي، أي الكنيسة.

إلى هذا الهيكل الروحيّ أشار يسوع عندما قال: " إهدموا هذا الهيكل، وأنا أقيمه في ثلاثة أيّام" (يو 2: 19)، وكان يعني جسدَه الذي سيُهدَم على الصّليب، ثمّ يقوم هيكل جديد هو جسده السّري أيْ الكنيسة التي أصبحت " سرَّ الخلاص الشامل وأداتَه".

عندما تآمر قيافا رئيس الكهنة ومَن معه على المسيح وصلبوه، أبطلوا بفعلتهم كهنوتهم وأفسدوا ذبائحهم. هذا ما تعنيه آية انشقاق حجاب هيكل سليمان من فوق إلى أسفل (مت 27: 51؛ مر15: 38؛ لو23: 45)، ثمّ هُدم الهيكل بكلّيته على يد الرومان سنة 70.

مع انشقاق حجاب الهيكل "انشقّ" قلب يسوع المصلوب بطعنة الحربة، وتفجّرت منه ينابيعُ الحياة الجديدة، المُشار إليها بالدّم والماء (يو 19: 34)، رمزَي المعموديّة لولادة الإنسان الجديد، والقربان لغذائه الروحي، وبهما فتح الطريق إلى قلب الآب، ورفع " سيف الكروب عن شجرة الحياة" ، وأعاد الانسان إلى السماء، بعد أنْ طُرد منها بخطيئة آدم وذرّيته، وجعل منّا مملكة كهنة لله أبيه. وها هو يأتي،" وستراه كلُّ عين وأيضًا الذين طعنوه. إنّه الألف والياء، الكائن والذي كان والآتي، الضابط الكلّ" (رؤ 1: 5-8).

هذا هو معنى الليتورجيّا، عبادة الله بالروح والحقّ، ويُسمِّيها بولس الرسول "العبادة الروحيّة"  إذ يدعونا بقوله:" أناشدُكم، بمراحم الله، أن تقرّبوا أجسادَكم ذبيحةً حيّةً مقدّسة مرضيّة لله: تلك هي عبادتكم الروحيّة"(روم12: 1). 

إنّها عبادة على مثال يسوع الذي فتح ذراعَيه على الصليب ليجتذب إليه جميع الناس ويضمَّهم إلى محبّته الأبديّة. إنّ حركة هذه المحبّة الآتية من المصلوب آخذة في النمو عبر ليتورجيّة الكنيسة من أجل بلوغ غايتها، وهي تبديل وجه العالم. إنّها ليتورجيّة حضارة المحبة.


الخوري حنا عبود

من الأبرشية البطريركية المارونية - منطقة زغرتا


عودة إلى المقالات

إخترنا لكم