الأخبار
عودة: قد لا نستطيع تغيير كل شيء في بلدنا لكننا نستطيع تغيير تفكيرنا الخاطئ
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس.
بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "في إنجيل اليوم يعطي الرب يسوع مثل الكرامين الأردياء، كاشفا لنا حقيقة علاقتنا بالله. فنحن لا نعيش لأنفسنا، ولا نملك حياتنا ملكا مطلقا، بل نحن وكلاء على ما ائتمننا الله عليه. فالكرم هو كرم الله، ونحن الكرامون، أما الثمر الذي يطلبه صاحب الكرم فهو ثمرة حياة الإنسان، إيمانه ومحبته وأعماله. لم يترك صاحب الكرم أرضه خرابا بل اعتنى بها وزرعها وسيجها ثم سلمها للكرامين. هكذا صنع الله معنا إذ أعطانا الحياة والعقل والحرية والوقت والمواهب والناس الذين يضعهم في طريقنا، كما أعطانا كلمته ونعمته وحضوره بالجسد وفداءه، وهو ينتظر منا الثمر. لذلك لا يسأل المؤمن ماذا أعطاني الله؟ بل ماذا فعلت بما أعطاني؟ المشكلة في المثل أن الكرامين تناسوا أنهم كرامون، وتصرفوا كأن الكرم ملك لهم. حين أرسل صاحب الكرم عبيده ليأخذوا الثمر «جلدوا بعضا وقتلوا بعضا ورجموا بعضا» رافضين أن يعطوه حقه. هنا جذر خطيئة الإنسان الذي يأخذ عطايا الله وينسى الله، يريد النعمة من دون صاحب النعمة".
أضاف: "هذا الأمر ينطبق على إنسان اليوم الذي غالبا ما يعيش في سباق مع الوقت، يعمل ويخطط ويجمع المال والألقاب ويبحث عن الأمان والنجاح وينشغل بما سيفعله غدا ناسيا الله، وقد يصل به الأمر إلى عيش حياته دون أن يسأل إلى أين أمضي؟ ولمن أعيش؟ وما الثمر الذي سيبقى من كل هذه الدوامة؟ لكن أخطر ما في الأمر أن الإنسان قد يظن أن الكرم، الذي هو حياته، ملك له لأن الله لا يتدخل فيها بالقوة. الله لا ينتزع حياتنا من أيدينا، ولا يرغمنا على شيئ، بل يترك لنا الحرية وينتظر أن نعطيه الثمر بملء إرادتنا. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن طول أناة الله ليس ضعفا، بل فرصة يمنحها للإنسان لكي يتوب. الله، في المثل، لا يرسل عبدا واحدا بل يرسل آخرين، ثم ابنه. إنه إله يعامل الإنسان بصبر ورحمة. هكذا فعل بعد عصيان آدم وسقوطه. أرسل الأنبياء واحدا تلو الآخر عل البشر يدركون خطاياهم ويعودون إليه، لكنهم لم يفعلوا ، فكلمنا في آخر الأزمنة بابنه الوحيد".
وتابع: "يبلغ المثل ذروته عندما يقرر صاحب الكرم إرسال ابنه قائلا «سيهابون ابني». الإبن هو المسيح الذي جاء إلى العالم الذي خلقه، وإلى الإنسان الذي أحبه، فلم يقبله الإنسان بل رفضه وأخرجه خارج الكرم وقتله. مع ذلك، موت الإبن لم يكن النهاية، لأن الحجر الذي رذله البناؤون صار «رأسا للزاوية». الصليب الذي بدا هزيمة صار باب القيامة، صار خلاصا، والموت صار حياة. بعد التأمل في مثل الكرامين الذين خانوا الأمانة، نتعلم من الرسول بولس في رسالة اليوم كيف ينبغي أن نعيش: «إسهروا، أثبتوا في الإيمان، كونوا رجالا، تشددوا. ولتكن أموركم كلها بالمحبة». وكأن الرسول يعلم الإنسان كيف يكون أمينا للكرم أو الوزنة أو النعمة المعطاة له من الله بالسهر والثبات والمحبة وقوة الرجاء. السهر من صفات الكرام الأمين الذي لا ينام طويلا ليحرس كرمه. والسهر عند الآباء هو يقظة القلب. أن ينتبه الإنسان إلى ما يحدث داخله، وألا يسمح للغضب أو الحقد أو اليأس أو الأنانية والكبرياء بأن تستوطن قلبه. أن ينتبه إلى الوقت الذي يضيع، وإلى العلاقات التي تتكسر، وإلى الصلاة التي تهمل، وإلى النعمة التي اعتادها حتى إنه لم يعد يشعر بقيمتها. أما الثبات في الإيمان فضروري لكي يستطيع الإنسان الإثمار. الإيمان ليس فكرة نحتفظ بها في الذهن، بل سلوك قويم يتجلى في المحبة والتواضع والوداعة والخدمة والعطاء. لذلك، عندما تهتز الحياة من حولنا، ينبغي ألا يهتز المسيحي معها بل يكون قويا بإيمانه وثابتا في رجائه لأن الظروف قد تتغير، وتضيق الأيام، وتفشل خططنا لكن الإيمان يبقى ثابتا لأن المسيح لا يتغير".
وقال: "هذا الكلام يعزينا لأنه قريب من واقعنا في هذا البلد. لقد تعلم اللبناني أن يعيش وسط أزمات متلاحقة وحروب وضيقات، وأن يحمل في قلبه كثيرا من التعب والخوف والقلق. قد يظن أنه يعيش في أرض لا تعطي ثمرا، وأن كل ما يبنيه معرض للإنهيار. لكن الرسول يدعونا إلى عدم الإستسلام وإلى الثبات في المحبة والرجاء والأمانة حتى النهاية. قد لا نستطيع تغيير كل شيء في بلدنا، لكننا نستطيع تغيير تفكيرنا الخاطئ ونمط حياتنا. نستطيع أن نكون محبين، رحماء، أمناء في بيوتنا، صادقين في أعمالنا، مستقيمين في تعاملنا مع الآخرين، رافضين الفساد والكذب والظلم والرياء، حريصين على ألا نضيف كراهية جديدة إلى بلد أنهكته الكراهية. فالكرم الذي وضعنا الله فيه ليس الكنيسة فقط، بل هو أيضا البيت والمجتمع والوطن، وواجبنا السهر واليقظة والحفاظ على ما منحنا الله. يوصي الرسول بولس أهل كورنثوس: «لتكن أموركم كلها بالمحبة». المحبة هي الوصية العظمى التي أعطاها الرب يسوع لتلاميذه، هي الثمر الذي يريده صاحب الكرم. ليس المطلوب أن ننجح في أعين الناس، ولا أن نجمع لأنفسنا الغلات الكثيرة، بل أن تثمر حياتنا ثمرا مرضيا لله. أن نغفر عندما نستطيع أن ننتقم، وأن نخدم عندما نستطيع أن نتجاهل، وأن نعطي عندما يكون الأخذ سهلا، وأن نرجو عندما يصبح اليأس الطريق الأسهل".
وختم: "كل واحد منا يعيش اليوم داخل كرم أعطاه إياه الله ، وسوف يأتي اليوم الذي يعود فيه صاحب الكرم ليسألنا عن الثمر. هل نقدم له حياة فارغة آثمة أم ثمرا كثيرا هو نتيجة الجهد الشخصي والإستجابة لمشيئته. نقول في القداس الإلهي: «التي لك مما لك نقدمها لك». هل ثمرنا الوزنات المعطاة لنا أم أسأنا إلى الأخ والوطن وتسلطنا على ما للغير كما فعل كرامو المثل الإنجيلي وقتلنا ابنه؟ الكرم له. كل ما نفعله فيه يجب أن يكون استجابة لمحبته العظيمة، وهل من حب أعظم من أن يبذل أحد نفسه من أجل أحبائه؟ هل ندرك عظم هذه المحبة؟".