الأخبار

العالم

اكتشافات أثرية تعزّز تقليد قبر المسيح في كنيسة القيامة

اكتشافات أثرية تعزّز تقليد قبر المسيح في كنيسة القيامة

كشفت أعمال التنقيب الأثري المكتملة تحت كنيسة القيامة في القدس عن معطيات جديدة تعيد رسم المشهد القديم للموقع، وتُظهر تطابقًا لافتًا بين خصائصه الجغرافية والأثرية وبين وصف الأناجيل للمكان الذي صُلب فيه يسوع المسيح ودُفن.

فبحسب إنجيل يوحنا، كان قرب موضع الصلب بستان، وفيه قبر جديد منحوت في الصخر لم يكن قد دُفن فيه أحد. وعلى مدى نحو 1700 عام، حافظ التقليد المسيحي على الاعتقاد بأن هذا القبر يقع داخل كنيسة القيامة، حيث يُكرَّم المكان الذي يؤمن المسيحيون بأن المسيح صُلب ودُفن وقام من بين الأموات.

وأظهرت الحفريات الأخيرة أن الكنيسة تقوم فوق مقلع حجري مهجور كان يقع خارج أسوار القدس القديمة، تجاورت فيه قطع أرض مزروعة وقبور عدة منحوتة في الصخر، في مشهد يتقاطع بصورة واضحة مع الوصف الوارد في إنجيل يوحنا.

وقالت رئيسة الفريق الأثري فرانشيسكا رومانا ستاسولا إن الباحثين عثروا على أدلة تشير إلى «مشهد جنائزي، إلى جانب مساحات صغيرة مزروعة بالكروم وأشجار الزيتون، فضلًا عن مشهد رعوي اتسم بنشاط بشري متقطع».

وعلى الرغم من أن الأدلة الأثرية لا تحدد هوية الشخص الذي دُفن في القبر الذي يكرمه التقليد المسيحي على أنه قبر يسوع، فإن تلاقي المعطيات المكتشفة يعزز احتمال أن يكون المسيحيون الأوائل قد حافظوا على ذاكرة الموقع الحقيقي لدفن المسيح عبر الأجيال.


موقع يكرّمه المسيحيون منذ قرون

تستقبل كنيسة القيامة ما يقدَّر بنحو أربعة ملايين زائر سنويًا. وقد شُيّدت الكنيسة الأولى فوق الموقع بأمر الإمبراطور الروماني قسطنطين في القرن الرابع، ودُشّنت سنة 335، بعدما أزيلت الأبنية الرومانية القائمة فيه، والتي ارتبطت تقليديًا بمعبد للإلهة فينوس.

وخلال تلك الأعمال، اكتُشفت حجرة منحوتة في الصخر جرى تحديدها على أنها موضع دفن يسوع، الذي كان قد مات قبل نحو ثلاثة قرون.

وركّز عمّال قسطنطين على قبر محدد كان يحظى أصلًا بالتكريم باعتباره قبر المسيح، فنحتوا الصخور المحيطة به وعزلوه عن بقية القبور.

أما البناء الثاني لكنيسة القيامة، الذي يشكّل أساس الكنيسة القائمة اليوم، فقد بدأ تشييده وترميمه بين عامَي 614 و626، عقب الدمار والحريق اللذين نتجا عن الغزو الفارسي الساساني.

وتضيف الاكتشافات الجديدة عناصر إلى النقاش المتواصل بشأن الموقع التاريخي لقبر يسوع. فبينما يؤيد عدد كبير من الباحثين كنيسة القيامة، مستندين إلى وجود قبور منحوتة في الصخر تعود إلى القرن الأول، يرى آخرون أن موقعًا آخر في القدس يُعرف باسم «قبر البستان» ينسجم بصورة أفضل مع الأوصاف الكتابية.


تقرير أثري من 98 صفحة

وجُمعت نتائج الاكتشافات الجديدة في تقرير أولي من 98 صفحة نُشر في مجلة Liber Annuus الأثرية التابعة للمعهد الفرنسيسكاني للكتاب المقدس في القدس.

ويضم التقرير نتائج حملة التنقيب الأخيرة التي أُنجزت عام 2025، والتي استكملت مشروعًا بدأ في آذار 2022 في إطار عملية ترميم واسعة لأرضية كنيسة القيامة.

وكان الإعلان الأول عن العثور على أدلة تشير إلى وجود بستان قديم قد جرى عام 2025، إلا أن اكتمال الحفريات أتاح للباحثين إعادة تركيب صورة أوسع لكيفية توزع الأراضي المزروعة والمقلع المهجور والقبور المنحوتة في الصخر في مختلف أنحاء الموقع.

وأظهر التقرير أن المنطقة كانت في الأصل مقلعًا حجريًا واسعًا محفورًا في جانب تل خارج أسوار القدس القديمة، وكانت بعض أجزائه تصل إلى عمق يقارب 20 قدمًا تحت أرضية الكنيسة الحالية.

ومع توقف استخراج الحجارة تدريجيًا، جرى ملء أعمق أجزاء المقلع بالتربة وتقسيمها بواسطة جدران منخفضة مبنية من الحجارة الجافة، ما أتاح إنشاء قطع صغيرة صالحة للزراعة.

وقالت ستاسولا إن الأدلة على النشاط الزراعي تستند إلى بقايا نباتية أثرية وحبوب لقاح، سمحت للباحثين بإعادة تصور مشهد طبيعي ملائم للرعي، حيث استُخدمت النباتات الطبيعية لتغذية الحيوانات.

وأضافت أن هذا النوع من المشهد المتوسطي كان منتشرًا في المنطقة، وتعايش مع أجزاء المقلع المهجور والقبور المحفورة في الصخر.


بستان وقبور خارج أسوار القدس

وتمكن الباحثون من تأريخ المشهد الزراعي بالاستناد إلى موقعه ضمن الطبقات الأثرية وإلى قطع الفخار التي استُخرجت من الردميات داخل المقلع.

وتشير الأدلة إلى أن هذه المرحلة جاءت بعد التخلي عن المقلع وقبل إعادة بناء المنطقة في عهد الإمبراطور هادريان في القرن الثاني للميلاد، وهي فترة زمنية واسعة تشمل زمن حياة يسوع.

إلا أن البقايا النباتية لم تخضع لتأريخ مخبري مطلق، ما يعني أن علماء الآثار لا يستطيعون إثبات أن البستان كان مزروعًا تحديدًا في زمن صلب المسيح.

كما عثر الباحثون على آثار فاكهة وبقول ونباتات برية، تكشف عن مشهد متوسطي مفتوح كانت الأرض فيه تُزرع وتُزار وتُستخدم للرعي، من دون أن تكون مأهولة بصورة دائمة.

وفي الوقت نفسه، وفّرت الواجهات الصخرية المكشوفة التي خلّفها المقلع مواقع مناسبة لنحت حجرات الدفن مباشرة في الصخر.

وعثر الباحثون على قبور متعددة تفتح على المقلع القديم نفسه عند مستويات مختلفة، تربط بينها ممرات ضيقة تتعرج بين القبور والأراضي المزروعة.

وهكذا ظهر مشهد مركب اجتمعت فيه البساتين وأراضي الرعي والقبور المنحوتة في الصخر، وهو ما ينسجم مع ما يورده إنجيل يوحنا عن وجود بستان وقبر بالقرب من موضع صلب يسوع.

ويقول إنجيل يوحنا (19:41): «وكان في الموضع الذي صُلب فيه بستان، وفي البستان قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط».


معطيات تتقاطع مع روايات الأناجيل

ولا تقتصر الإشارات الكتابية على وجود البستان. ففي إنجيل يوحنا (19:20) يَرِد أن موضع الصلب كان قريبًا من القدس، فيما تشير الرسالة إلى العبرانيين (13:12) إلى أن يسوع تألم خارج باب المدينة.

وقد أثبتت الحفريات أن المقلع كان، في زمن يسوع، يقع خارج أسوار القدس، لكنه بقي قريبًا من المدينة، ما ينسجم مع هذين الوصفين.

كما تصف أناجيل متى ومرقس ولوقا قبر يسوع بأنه منحوت في الصخر، فيما أكدت الحفريات أن المشهد الشبيه بالبستان كان في الوقت عينه مدفنًا قديمًا حقيقيًا يضم عددًا من الحجرات المنحوتة مباشرة في صخور المقلع.

ويشير إنجيل يوحنا أيضًا إلى قرب القبر من موضع الصلب، الأمر الذي أتاح دفن يسوع بسرعة قبل بدء السبت اليهودي.

وفي كنيسة القيامة، يقع القبر الذي يكرمه التقليد المسيحي بوصفه قبر المسيح وصخرة الجلجلة، الموقع التقليدي للصلب، ضمن المساحة نفسها والمتقاربة.

ولا تُعد أي من هذه العناصر في حد ذاتها فريدة في القدس القديمة، إذ كان من الشائع إعادة استخدام المقالع المهجورة في الزراعة والدفن.

إلا أن ما يمنح موقع كنيسة القيامة أهمية خاصة هو اجتماع مختلف المؤشرات في موضع واحد: خارج أسوار المدينة القديمة ولكن على مقربة منها، مع أرض مزروعة، وموقع صخري للصلب، ومدفن يضم قبورًا منحوتة في الصخر.

وفي وسط هذه المقبرة، تحولت حجرة واحدة تحديدًا، مع مرور الزمن، إلى محور لتكريم مسيحي استمر قرونًا.


من هادريان إلى قسطنطين

وأظهر التقرير أن بناءً رومانيًا أُقيم خلال حكم الإمبراطور هادريان في القرن الثاني ملاصقًا للقبر مباشرة، ما جعله غير متاح، كما اقتطع البناء جزءًا من صخرة الجلجلة المجاورة، التي يكرمها التقليد بوصفها مكان صلب المسيح.

ويرجّح التقرير أن الجدران الرومانية الباقية ربما كانت تابعة لموقع عبادة أصغر حجمًا، وليس للمعبد الوثني الضخم الذي تصفه الروايات التقليدية.

وبعد نحو قرنين، هدم عمّال قسطنطين البناء الروماني وحفروا في الموقع نفسه لإظهار القبر الذي كان موضع تكريم.

وأزالوا الصخور المحيطة به، وفصلوا حجرة الدفن عن بقية القبور، وأقاموا حولها أول مزار مسيحي.

وبلغت أهمية موضع القبر حدًا دفع المهندسين إلى القبول بعدم استقامة بعض أجزاء المجمع الكنسي الضخم مع بعضها، بدلًا من تغيير موقع القبر.

ويرجح أن النصب الأول كان مكشوفًا للسماء، ويتألف من مزار دائري صغير تحيط به اثنتا عشرة عمودًا، بما يسمح للحجاج الأوائل بالتجمع حول حجرة الدفن.


أدلة مهمة... ولكنها ليست إثباتًا نهائيًا

وعلى الرغم من أن هذه المعطيات لا تثبت أن يسوع دُفن داخل هذا القبر، فإن عودة المسيحيين إلى الموضع نفسه والحفاظ على قبر محدد بعد قرون تثير احتمال استمرار معرفة موقعه وانتقالها عبر أجيال المسيحيين الأوائل.

وقالت ستاسولا إن المنطقة الأثرية تحت كنيسة القيامة تكشف التاريخ الطويل لجزء من القدس شهد، في أوائل القرن الرابع، تشييد معالم ضخمة مرتبطة بذاكرة المسيح.

وأضافت أن الأدلة الأثرية ينبغي أن تُستخدم بصورة أساسية لفهم الأماكن والسياقات التي تشكّلت فيها الذاكرة المسيحية وترسخت.

وتثبت المعطيات أن المسيحيين كانوا يحيون ذكرى هذا الموقع المحدد بحلول القرن الرابع، لكنها لا تستطيع تأكيد أن يسوع كان قد دُفن فيه قبل ذلك بنحو ثلاثة قرون.

ولا تزال هناك ثغرات أساسية في الأدلة، إذ لم يُعثر على نقش يحدد هوية المدفون بأنه يسوع، كما لا يمكن الإثبات بصورة قاطعة أن حجرة الدفن كانت جديدة، أو أنها كانت قد استُخدمت أو كانت ملكًا ليوسف الرامي، وفق ما ترويه الأناجيل.

وبحسب الرواية الإنجيلية، طلب يوسف الرامي، وهو عضو ثري في المجلس اليهودي، من بيلاطس البنطي جسد يسوع بعد الصلب، فلفّه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد المنحوت في الصخر.

وعليه، فإن الاكتشافات لا تشكل إثباتًا نهائيًا للرواية الكتابية، لكنها تؤكد أن الموقع التقليدي في كنيسة القيامة يضم أبرز الخصائص الجغرافية والمادية التي يصفها العهد الجديد.

وخلصت ستاسولا إلى أن كنيسة القيامة أعطت شكلًا معماريًا ضخمًا للأماكن التي حفظ التقليد، منذ الأزمنة المبكرة، فيها ذكرى موت المسيح وقيامته، مؤكدة أن «علم الآثار يشهد بلا شك على استمرارية هذا التقليد التذكاري».

المصدر: صحيفة دايلي مايل البريطانيّة