الأخبار
البابا: لا تدعوا الشرّ يشوّه إنسانيتكم
دعا البابا لاوُن الرابع عشر إلى عدم الاستسلام للكراهية والعنف، مهما كانت الجراح أو الإساءات التي يتعرض لها الإنسان، مؤكدًا أن «طريق المحبة هو طريق الحياة»، وأن الإيمان بالله يمكن أن يصبح، في عالم ينظر أحيانًا إلى المغفرة على أنها سذاجة، سبيلًا إلى السلام والرجاء.
وجاء كلام البابا خلال القداس الإلهي الذي ترأسه، في 29 آب، في كنيسة مريم الكلية القداسة سيدة البحيرة في كاستيل غاندولفو، قبل أن يدخل تاريخ هذا التقليد المريمي بوصفه أول بابا يشارك في التطواف على مياه بحيرة ألبانو.
الإيمان وسط العاصفة
وفي عظته، انطلق البابا من رواية الإنجيل عن يسوع الذي يمشي على مياه بحيرة الجليل وسط العاصفة، داعيًا المؤمنين إلى الثبات في الإيمان أمام «الرياح المعاكسة» في عالم يطبعه الألم والعنف والانقسام.
وأشار إلى أن شكل كنيسة مريم الكلية القداسة سيدة البحيرة، المشيد على هيئة مروحة، يشبه ألواح قارب تتلاقى عند مقدّمته الرمزية باتجاه الصليب المرتفع فوق المياه المحاطة بتلال ألبانو.
ورأى الحبر الأعظم أن التطواف نفسه يستحضر معجزة يسوع الذي مشى على المياه ووصل إلى تلاميذه الخائفين، قبل أن يهدّئ العاصفة ويقودهم بأمان إلى الشاطئ.
وقال إن الرب، «في اللحظة التي كانوا فيها أكثر خوفًا وتحت رحمة الرياح المعاكسة، دعاهم إلى الإيمان والصلاة، لكي يجدوا السلام ويواصلوا معه الإبحار نحو الغاية المنشودة».
ومن مذبح الكنيسة التي كرّسها القديس البابا بولس السادس في آب 1977، دعا البابا المؤمنين إلى السير في «طريق الحياة»، أي طريق المحبة.
«المحبة وحدها تخلّص»
وتوقف البابا لاوُن الرابع عشر عند تعليم يسوع حول الشركة والمحبة، مستعيدًا الإنجيل الذي يروي إطعام المسيح أربعة آلاف رجل وامرأة بسبعة أرغفة وقليل من السمك، قبل أن يكشف لتلاميذه ما سيواجهه في أورشليم من آلام تنتهي بموته وقيامته.
وأوضح أن يسوع، بعد المعجزات الكثيرة التي صنعها، يكشف بصورة نهائية مجده من خلال بذل حياته بحرية وتقديم ذاته على الصليب «كخبز مكسور».
وذكّر بكلمات المسيح: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني»، مؤكدًا أن من يريد مواصلة رسالة يسوع مدعو إلى السير في الطريق نفسه.
وشدد البابا على أن المحبة وحدها تخلّص، داعيًا إلى زرع بذور هذه «المحبة اللامتناهية» في العالم، ومستعيدًا قول القديس أوغسطينوس إن «فرح الحاصد يكشف نية الزارع».
وقال إن بطرس نفسه وجد صعوبة في قبول هذا الأسلوب الجديد والمختلف في التفكير، لكن يسوع كان واضحًا بلا التباس: «طريق المحبة وحده هو طريق الحياة».
«الكراهية والعنف لا يقودان إلى أي خير»
وحذّر البابا بشدة من عبثية الكراهية والعنف، قائلًا: «الكراهية والعنف لا يقودان إلى أي خير، بل فقط إلى الدمار والموت، دائمًا، حتى عندما يأتيان ردًا على ظلم تعرّضنا له».
وأضاف أن هذه الحقيقة تظهر كل يوم، بدءًا من أصغر تفاصيل الحياة العائلية وصولًا إلى الساحة العالمية الكبرى.
وأكد أن كل مجال من مجالات الوجود الإنساني يحتاج إلى الحياة والرجاء والطمأنينة والسلام، من حياة الأشخاص إلى حياة الشعوب والأمم.
ودعا المؤمنين، مهما كان الجرح ومهما كانت الإساءة، إلى ألا يسمحوا للشر بأن يشوّه إنسانيتهم أو يفسد قلوبهم.
بساطة الإيمان عبر الأجيال
وتأمل الحبر الأعظم أيضًا في أهمية «اللفتات البسيطة» التي تتناقلها الأجيال وسيلةً لتجديد الإيمان والتقوى.
وأشاد بالعناية التي تبديها الجماعة المحلية الصغيرة وهي تجتمع بصورة احتفالية لتمثل الكنيسة بأسرها، «جسدًا واحدًا في الصلاة والمشاعر والنوايا وفي عيشنا معًا بصورة منظمة ومتحدة».
ودعا الجميع إلى الاقتراب من يسوع ومريم، الابن والأم، لكي يصبح المؤمنون، «ليس فقط على البحيرة، بل في كل ليالي العالم، انعكاسًا مطمئنًا لحضور الله وصدىً لا يقاوم لمحبته التي تدعونا إلى المحبة».
أول بابا يشارك في التطواف على مياه ألبانو
وعقب انتهاء القداس، غادر البابا والمؤمنون الكنيسة حاملين تمثال سيدة البحيرة في تطواف مرّ أولًا عبر الطرق وصولًا إلى منطقة «تروبيكانا».
ثم أصبح البابا لاوُن الرابع عشر أول حبر أعظم في التاريخ يشارك في التطواف المريمي على مياه بحيرة ألبانو نفسها.
وصعد البابا على متن قارب Falco التابع لجمعية «Lungolago Castel Gandolfo»، يرافقه تمثال سيدة البحيرة، في تقليد يتكرر منذ مرحلة ما بعد الحرب، حين لم يكن يعيش في البلدة الصغيرة في لاتسيو أكثر من ست أو سبع عائلات.
واستغرقت الرحلة عبر البحيرة نحو 25 دقيقة، ورافق القارب عدد من زوارق الكانو التي حملت شبانًا شاركوا في بطولات كاستيل غاندولفو، إضافة إلى قوارب «دراغون» ومراكب أخرى.
البابا يكل العالم المجروح إلى مريم
ومع غروب الشمس فوق بحيرة ألبانو، وصل البابا بالقارب إلى الشاطئ حيث اختُتم التطواف المريمي، وانضم إلى المؤمنين المحتشدين هناك وقادهم في صلاة إلى العذراء مريم من أجل عالم جريح بالحروب والألم والانقسامات.
وأوكل الحبر الأعظم الكنيسة وشعوب العالم إلى مريم، التي وصفها بأنها «امرأة الإصغاء والخدمة».
وتوجه إليها «بقلب ابن»، مصليًا من أجل كنيسة تكون «شجاعة في إعلان الإنجيل، متواضعة في الخدمة ومثابرة في المحبة».
وقال: «إلى حمايتك المحبة نوكل جميع شعوب الأرض. انظري بعطف إلى أبنائك المجروحين بالحرب، وأيقظي في الجميع الرغبة في السلام».
ودعا مريم إلى تعليم البشر المغفرة حيث تنمو الكراهية، وإعادة الرجاء حيث يسود الخوف.
كما طلب منها أن تنظر بعناية خاصة إلى «الأطفال والمسنين والمرضى والعائلات والشباب وجميع الذين يعيشون في الوحدة».
وصلّى أيضًا من أجل المسؤولين عن الشأن العام، طالبًا أن تساعدهم العذراء لكي يعملوا دائمًا على تعزيز «العدالة والحرية وكرامة كل إنسان والخير العام».
ولم ينسَ البابا الذين يعيشون ويعملون في محيط البحيرة، والذين يقصدونها بحثًا عن السلام، وقال في صلاته: «ليكتشف كل إنسان، وهو ينظر إليك، الطريق الذي يقود إلى المسيح، مخلّص العالم الوحيد، الحي والمالك إلى أبد الآبدين».
أمسية صلاة من أجل السلام
وقبل وصول البابا، قاد مبتدئون ساليزيان المؤمنين في الصلاة والترانيم على ضفاف البحيرة، وأنشدوا عددًا من التراتيل، بينها Eccomi، وتلوا مقاطع من الإنجيل تخللتها لحظات من التأمل والصلاة.
وتجمع الناس على طول الشاطئ وعلى المقاعد الشاطئية وقوارب البدالات انتظارًا لوصول البابا، فيما سجّل كثير من المؤمنين والحجاج هذه اللحظة بهواتفهم.
وعلى الرغم من الحضور الكثيف، حافظت المناسبة على أجواء هادئة ومصلّية.
وعندما وصل البابا إلى الشاطئ، استُقبل بالتصفيق، فيما أدى التينور أوريليو غريمالدي وزوجته إيلينا كوفالوفا مقطوعة La Vergine degli angeli من أوبرا La forza del destino لفيردي، تلتها Panis Angelicus لسيزار فرانك، بمرافقة المايسترو ماسيميليانو فرانكينا على البيانو.
واستمع المؤمنون والسلطات المحلية ورؤساء البلديات الذين ارتدوا الوشاح الإيطالي ثلاثي الألوان إلى صلاة البابا بصمت.
وعند انتهاء الصلاة، هتف الحجاج: «ليحيا البابا!»، وسط تصفيق طويل، قبل أن تبدأ فرقة كاستيل غاندولفو الموسيقية بالعزف، وهي تحتفل هذا العام بالذكرى العاشرة لتأسيسها.
ومع حلول المساء، غادر البابا ضفة البحيرة متجهًا إلى السيارة التي كانت في انتظاره، فيما اختُتم التطواف والمؤمنون مجتمعون في الصلاة أمام تمثال العذراء مريم.
وبينما كانت العتمة تغطي بحيرة ألبانو تدريجيًا، حمل أبناء البلدة معهم ذكرى أمسية خُصصت للصلاة من أجل السلام.