الأخبار
البطريرك الراعي للأجداد والمسنّين: كونوا ذاكرة حيّة للأجيال
في لقاء جمع طرفَي العمر تحت سقف واحد، الأجداد والمسنّين من جهة، والأطفال من جهة أخرى، احتضن الكرسي البطريركي الماروني في الديمان، الثلاثاء 15 أيلول 2026، الاحتفالية الأولى التي نظّمتها اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة، بالتعاون مع لجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين، لمناسبة اليوم العالمي السادس للأجداد والمسنّين، تحت عنوان «أنا لا أنساك أبدًا»، الذي اختاره البابا لاوُن الرابع عشر للمناسبة.
وشارك في اللقاء نحو 500 شخص من المسنّين والأطفال والعائلات، في مشهد أرادت الكنيسة من خلاله أن تجمع الذاكرة بالمستقبل، والخبرة بالبراءة، وأن تؤكد أن الأجيال لا تتنافس على المكان، بل يتسلّم بعضها من بعض الإيمان والمحبة وتاريخ العائلة والكنيسة.
وفي مستهل القداس، ألقى رئيس اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة المطران إلياس نصار كلمة رحّب فيها بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وبالمشاركين في هذه الاحتفالية الأولى التي تقيمها اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة ولجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين، برئاسة الخوري هاني طوق.
وأشار نصار إلى أن إقامة الاحتفالية في الكرسي البطريركي في الديمان تحمل دلالة خاصة، وتأتي تجاوبًا مع دعوة الكنيسة إلى الاهتمام بالأجداد والمسنّين، ولا سيما في مناسبة اليوم العالمي السادس المخصص لهم تحت عنوان «أنا لا أنساك أبدًا».
وتوجّه بالشكر إلى البطريرك الراعي على محبته الأبوية للأجداد والمسنّين، وعلى الرعاية التي توليها الكنيسة لهم، معتبرًا أن هذه العناية تعبّر عن وعي كنسي عميق لقيمة الإنسان في مختلف مراحل عمره، وعن تقدير للدور الذي لا يزال المسنّون قادرين على أدائه في العائلة والكنيسة والمجتمع.
وتوقف المطران نصار عند الجهود التي بذلتها اللجنة الفرعية برئاسة الخوري هاني طوق ومجموعة من المساعدين، شاكرًا إياهم على قبول هذه الخدمة وتنظيم الاحتفالية، وعلى استعدادهم لمواصلة العمل في راعوية الأجداد والمسنّين على مساحة لبنان وعلى مدار السنة.
كما شكر المسؤولين في الأبرشيات والمؤسسات الكنسية الذين ساهموا في دعوة الأجداد والمسنّين ونقلهم إلى الديمان، والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، والكهنة والعلمانيين العاملين في الكرسي البطريركي، وكل الذين أسهموا في إنجاح النهار، إلى جانب وسائل الإعلام التي واكبت المناسبة.
وخصّ بالشكر مطبخ مريم والعاملين فيه لتأمين وجبة الغداء للمشاركين، والطواقم الطبية والتمريضية التي وضعت نفسها في خدمة المسنّين، والمنشطين والمرافقين الذين أضفوا أجواء الفرح على اللقاء، فضلًا عن الفنان جورج خطار، والكشاف الماروني، وجماعة «يلا»، والمؤسسة البطريركية المارونية للإنماء الشامل، والمركز الثقافي الماروني.
وفي ختام كلمته، رحّب نصار بالمشاركين، وخصوصًا بالأجداد والمسنّين الذين تحمّلوا مشقة السفر للمشاركة في هذا اليوم، وبأفراد عائلاتهم وأطفال القربانة الأولى والمعاونين والمرافقين، واضعًا اللقاء تحت حماية العذراء مريم سيدة قنوبين، وحول البطريرك الراعي.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة انطلق فيها من قول المسيح: «كونوا كأناس ينتظرون سيدهم متى يأتي»، ليقدّم قراءة روحية لمعنى العمر والانتظار، لا بوصفه ترقبًا لنهاية بعيدة، بل استعدادًا لمجيء الرب المتجدد كل يوم في حياة الإنسان.
وأوضح أن إنجيل اليوم يتحدث عن «نعمة الانتظار»، لأن المسيحي لا ينتظر الرب في نهاية حياته وحسب، بل يستقبله في تفاصيل أيامه، وفي الأشخاص الذين يلتقيهم، وفي المواقف التي تتطلب منه جوابًا مسيحيًا واضحًا.
وحدّد الراعي ثلاثة مواقف أساسية ينبغي أن تميّز هذا الانتظار: الإيمان والمحبة والذاكرة، مؤكدًا أن الإنجيل موجّه إلى كل إنسان، لأن الرب يأتي إليه يوميًا ويسأله موقف إيمان، أو عمل محبة، أو أن يكون ذاكرة حيّة تنقل الخير إلى الآخرين.
وقال إن الرب يحتاج إلى كل واحد لكي يشهد له، وإن شهادة الإيمان لا تقتصر على الكلمات، بل تظهر في الأعمال والمواقف والتصرفات. فالإنسان يشهد لما يؤمن به بالطريقة التي يعيش بها، وبما يصنعه تجاه الآخرين، وبقدر ما يتحول إيمانه إلى سلوك يومي.
أما المحبة، فأكد أنها لا تبقى شعورًا أو كلامًا، بل تتحول إلى عمل تجاه الغريب والمريض والضائع والمحتاج، داعيًا المسيحي إلى أن يكون شاهدًا للمحبة حيثما وجد إنسانًا يحتاج إلى حضور أو مساعدة أو عناية.
أما الموقف الثالث فهو الذاكرة، أي أن يذكّر بعضنا بعضًا بإيماننا المسيحي وبالأحداث التي صنعها الله في حياتنا، كي لا تنقطع الصلة بين الأجيال، ولا يبدأ كل جيل تاريخه من الصفر.
ومن اجتماع المسنّين والأطفال في الاحتفال نفسه، انتقل البطريرك إلى إبراز الرسالة الخاصة التي يحملها الأجداد، مستشهدًا بكلام المزمور: «ألف سنة في عينيك يا رب كيوم أمس الذي عبر»، ومشيرًا إلى أن الإنسان، مهما امتد به العمر، يبقى صغيرًا أمام الأبدية.
ودعا كل إنسان إلى استقبال نهاره الجديد بالشكر، لأن كل يوم يُعطى له ليس أمرًا مضمونًا، بل نعمة جديدة.
ومن هنا، شدد على أن الأجداد والمسنّين مدعوون إلى أن يكونوا علامات إيمان، لأن العالم والعائلة والأجيال الجديدة بحاجة إلى شهادتهم.
وتوجّه بصورة خاصة إلى الأجداد، مؤكدًا أن على كل جد وجدة أن يشهدا لمحبتهما وأن ينقلا إلى الأجيال الجديدة خبرتهما في الحياة والإيمان، لأن الخبرة التي لا تُنقل تنتهي بانتهاء أصحابها، أما الخبرة التي تتحول إلى ذاكرة فتواصل الحياة في الأبناء والأحفاد.
وهكذا، لم يضع الراعي الطفل والمسنّ على طرفين متباعدين من الحياة، بل جمعهما في علاقة متبادلة: الطفل يحتاج إلى ذاكرة الجد، والجد يجد في الطفل من يحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.
وتوقف البطريرك عند نعمة الحياة نفسها، مذكّرًا بأن كثيرين لم تُتح لهم فرصة بلوغ سن متقدمة؛ فمنهم من رحل طفلًا، ومنهم من مات في بطن أمه، أو في حادث أو حرب أو جوع أو مرض عضال، ومنهم من غادر الحياة في سن الشباب أو الكهولة.
وأكد أن وجود الإنسان اليوم هو في ذاته سبب للشكر، داعيًا إلى شكر الرب على كل يوم جديد.
ومن هذا المنطلق، حث المسنّين خصوصًا على النظر إلى امتداد العمر لا كعبء، بل كنعمة ومسؤولية وامتياز، لأن الله حين يمنح الإنسان مزيدًا من السنين يمنحه معها مزيدًا من الوقت لكي يحب ويشهد ويصلي وينقل خبرته.
وشدد على أن العمر، مهما طال، يبقى قصيرًا أمام الأبدية، ولذلك فإن نعمة التقدم في السن لا ينبغي أن تقود إلى الانكفاء، بل إلى شكر أعمق لله على عطية الحياة.
وربط البطريرك الراعي عنوان المناسبة، «أنا لا أنساك أبدًا»، بمعنى الذاكرة المسيحية، مؤكدًا أن الإنسان الذي يملك تاريخًا لا يستطيع أن يعيش بلا ذاكرة.
فالذاكرة، بحسب الراعي، ليست حنينًا إلى الماضي، بل أمانة لما صنعه الله، ولما عاشته العائلة، ولما اختبره الإنسان من إيمان ومحبة وتضحيات.
وبذلك تصبح الشيخوخة، في المنظور المسيحي، زمنًا لاستعادة التاريخ، لا من أجل البقاء فيه، بل من أجل تسليمه إلى الأجيال الطالعة. فالمسنّ ليس مجرد شخص يحمل سنوات كثيرة، بل إنسان يحمل رواية وتجربة وصلوات وجراحًا وأفراحًا وإيمانًا يستطيع أن يضعه بين أيدي الأبناء والأحفاد.
وفي ختام عظته، دعا الراعي إلى أن تتحول رسالة هذا اليوم إلى صلاة يومية، فيرفع الإنسان كل صباح الشكر إلى الله على النهار الجديد، سائلًا إياه أن يمنحه القدرة على أن يعيش يومه شاهدًا للإيمان والمحبة وحاملًا للذاكرة الصالحة.
وهكذا جمع البطريرك رسالة الاحتفال في ثلاث كلمات ترافق الإنسان في مختلف مراحل عمره: إيمان يُعاش، ومحبة تُترجم أعمالًا، وذاكرة تُسلَّم من جيل إلى جيل.
وبين الأجداد والأطفال المجتمعين في الديمان، بدا عنوان اليوم «أنا لا أنساك أبدًا» أكثر من شعار لمناسبة كنسية؛ بل وعدًا بأن الإنسان لا يفقد مكانه في العائلة والكنيسة حين يتقدم به العمر، وبأن الذاكرة التي يحملها المسنّون لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل تشارك في بناء مستقبل الأجيال.
وبعد القداس الإلهي، تابع الأجداد والمسنّون والأطفال برنامج اليوم في الديمان، في أجواء جمعت الأبعاد الروحية والإنسانية والاجتماعية والصحية، وحوّلت مناسبة اليوم العالمي السادس للأجداد والمسنّين إلى لقاء حي بين الأجيال.
وأقيمت مائدة محبة على شرف المشاركين، فالتقت الأجيال حول مائدة واحدة امتدادًا لاجتماعها حول المذبح، في أجواء من الألفة والأخوّة والفرح.
كما تضمن البرنامج يومًا طبيًا خُصص لخدمة المسنّين، وشمل فحوصات واستشارات طبية وتقديم الأدوية، في مبادرة جسدت عمليًا عناية الكنيسة بالإنسان في حاجاته الروحية والصحية واليومية.
وتخلل النهار أيضًا عدد من الأنشطة الترفيهية والاجتماعية التي جمعت الأجداد والمسنّين بأطفال المناولة الأولى، في صورة عبّرت عن التواصل بين جيل يحمل خبرة السنين وذاكرة الإيمان، وجيل يستعد لحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.
واختُتم اليوم في أجواء من الفرح والأخوّة، بعدما تحولت الديمان إلى مساحة لقاء بين الذاكرة والرجاء: أجداد ومسنّون يحملون تاريخ العائلة وخبرة الحياة، وأطفال يحملون وعد الغد، وكنيسة تجمعهم معًا لتؤكد، تحت شعار «أنا لا أنساك أبدًا»، أن الإنسان يبقى حاضرًا في قلب الله والكنيسة في مختلف مراحل عمره، وأن أجمل ما تتوارثه الأجيال ليس الذكريات وحدها، بل الإيمان والمحبة والرجاء.